تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
ولمّا عزم ابن زياد على الحقنة بعد أن كان تفحّشها قال له حارثة بن بدر : ما أجد أولى بتولّي ذلك من الطبيب . قال عبيد اللّه : كلّا ، فأين الصاحب . واللّه أن لو نتجت في كلّ عام ألف شبديز ، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ربرب ، وصار لك كلّ نهر المبارك بدلا من بعض بابك وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم ، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشّبق ، لما كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة ، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه القتلة ، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل ، ولو عفوت البتّة لكان أمثل .

[ 11 - ذم الغضب ]

إنّ الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره ، ومبتدئ العقاب بعرض لجاج . وليس يعاقب إلّا غضبان . والغضب يغلب العزم على قدر ما مكّن ، ويحيّر اللّبّ بقدر ما سلّط . والغضب يصوّر لصاحبه مثل ما يصوّر السّكر لأهله . والغضبان يشعله الغضب ، ويغلي به الغيظ ، وتستفرغه الحركة ، ويمتلئ بدنه رعدة ، وتتزايل أخلاطه ، وتنحلّ عقده ، ولا يعتريه من الخواطر إلّا ما يزيده في دائه ، ولا يسمع من جليسه إلّا ما يكون مادّة لفساده ، وعلى أنّه ربّما استفرغ حتّى لا يسمع ، واحترق حتّى لا يفهم . ولولا أنّ الشيطان يريد ألّا يخلو من عمله ، ولا يقصّر في عادته ، لما وسوس إلى الغضبان ولا زيّن له ، ولما أغراه ولا فتح عليه ؛ إذ كان قد كفاه ، وبلغ أقصى مناه .