العرين يلان له ولا يلين .
وقلت : الجيّد من الأنبذة يصفّي الذّهن ويقوّي الرّكن ، ويشدّ القلب والظّهر ، ويمنع الضّيم والقهر ، ويشحذ المعدة ، ويهيّج للطعام الشّهوة ، ويقطع عن إكثار الماء الذي منه جلّ الأدواء ، ويحدر رطوبة الرّأس ، ويهيّج العطاس ، ويشدّ البضعة ، ويزيد في النّطفة ، وينفي القرقرة والرّياح ، ويبعث الجود والسّماح ، ويمنع الطّحال من العظم ، والمعدة من التّخم ، ويحدر المرّة والبلغم ، ويلطّف دم العروق ويجريه ، ويرقّه ويصفّيه ، ويبسط الآمال ، وينعم البال ، ويغشّي الغلظ في الرّثة ، ويصفّي البشرة ويترك اللّون كالعصفر ، ويحدر أذى الرّأس في المنخر ، ويموّه الوجه ويسخّن الكلية ، ويلذّ النّوم ويحلّل التّخم ، ويذهب بالإعياء ، ويغذو لطيف الغداء ، ويطيّب الأنفاس ، ويطرد الوسواس ، ويطرب النّفس ، ويؤنس من الوحشة ، ويسكّن الرّوعة ، ويذهب الحشمة ، ويقذف فضول الصّلب بالانشاط للجماع ، وفصول المعدة بالهراع ، ويشجّع المرتاع ويزهي الذّليل ، ويكثّر القليل ، ويزيد في جمال الجميل ، ويسلّي الحزن ، ويجمع الذّهن ، وينفي الهمّ ، ويطرد الغمّ ، ويكشف عن قناع الحزم ، ويولّد في الحليم الحلم ، ويكفي أضغاث الحلم ، ويحثّ على الصّبر ، ويصحّح من الفكر ، ويرجّي القانط ، ويرضي الساخط ، ويغني عن الجليس ، ويقوم مقام الأنيس وحتّى إن عزّ لم يقنط منه ، وإن حضر لم يصبر عنه ، يدفع النوازل العظيمة ، وينقّي الصّدر من الخصومة ، ويزيد في المساغ ، وسخونة الدماغ ، وينشّط الباه حتّى لا يزيّف شيئا يراه ، وتقبله جميع الطّبائع ، ويمتزج به صنوف البدائع ، من اللّذّة والسّرور ، والنّضرة والحبور . وحتّى سمّي شربه قصفا ، وسمى فقده خسفا . وإن شرب منه الصّرف بغير مزاج ، تحلّل بغير علاج . ويكفي الأحزان والهموم ، ويدفع الأهواء والسّموم ، ويفتح الذّهن ، ويمنع الغبن ، ويلقّن الجواب ، ولا يكيد منه العتاب ، به تمام اللذّات ، وكمال المروءات . ليس لشيء كحلاوته في
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 277
مساهمون: الجاحظ
ص٢٧٧