ملتحف ، شعاعه يضحك في الأكفّ ؟
وما تقول في عصير الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه ، وأحسن الدّنّ نتاجه ، فإذا فضّ عن غضارة قد صار في لون البجاديّ في صفاء ياقوتة تلمع في الأكفّ لمع الدّنانير ، ويضيء كالشّهاب المتّقد .
وما تقول في نبيذ عسل مصر ، فإنّه يؤدّي إلى شاربه الصّحيح من طعم الزّعفران ، لا يلبس الخلقان ولا يجود إلّا في جدد الدّنان ، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف الأرجاس . وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض ، ولا ينقض على شيء من الأجسام لونه حتّى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققا . وحسبك به في رقّة الهواء ، يكدّره صافي الماء ، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال ، المفترس للأقران ، من عاقره عقره ، ومن صارعه صرعه ؟ ! وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد إذ يعود صلبا من غير أن يسلّ سلافه ، أو يماط عنه ثفله ، حتّى يعود كلون العقيق ، في رائحة المسك العتيق . أصلب الأنبذة عريكة ، وأصلبها صلابة ، وأشدّها خشونة . ثمّ لا يستعين بعسل ولا سكّر ولا دوشاب . وما ظنّك به وهو زبيب نقيع ، لا يشتدّ ولا يجود إلّا بالضّرب الوجيع ؟ ! وما تقول في الدّوشاب البستانيّ ، سلالة الرّطب الجنيّ بالحبّ الرتيليّ ، إذا أوجع ضربا ، وأطيل حبسا ، وأعطى صفوه ومنح رفده ، وبذل ما عنده ، فإذا كشف عنه قناع الطّين ظهر في لون الشّقر والكمت وسطع برائحة كالمسك . وإذا هجم على المعدة لانت له الطّبائع ، وسلست له الأمعاء ، وأيس الحصر ، وانقطع طمع القولنج ، وانقادت له اليبوسة ، وأذعنت له بالطّاعة ، وابتلّ به الجلد القحل ، وارتحل عنه الباسور ، وكفى شاربه الوخز .
فإذا شجّ بماء تلظّى ورمى بشرره ، هل يحلّ أن يشعشع إذا سكن جأشه ، وآب إليه حلمه .
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 280
مساهمون: الجاحظ
ص٢٨٠