الغضا ، تكشف تلك الكروب لو بدي نور وجهه من حجب الغيوب ، وتحترق جموع الشياطين وشبهات المعاندين ، لو أشرقت بضياء طلعته المباركة ظلمات الأرضين ، لكاد يتفتت قلبه ويطير لبّه ، ويتشعب فكره ، فكيف بأن يستلذ طيب المنام ، وتهجع عينه ونار الفراق كلّ يوم في اضطرام .
وفي الإكمال عن سدير الصيرفي قال : دخلت أنا والمفضل بن عمر وداود بن كثير الرقي وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ( ع ) فرأيناه جالسا على التراب وعليه مسح « 1 » خيبري مطوق بلا جيب مقصر الكمين وهو يبكي بكاء الوالهة « 2 » الثكلى ذات الكبد الحرى ، قد بان الحزن [ من ] وجنتيه « 3 » وشاع التغيير في عارضيه وأملت الدموع محجريه « 4 » وهو يقول : سيدي غيبتك نفت رقادي ، وضيقت علي مهادي ، وابتزّت مني راحة فؤادي « 5 » ، سيدي غيبتك وصلت مصابي بفجائع الأبد ، وفقد الواحد بعد الواحد بفناء الجمع والعدد ، فما أحس بدمعة ترقى من عني ، وأنين من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلا ما مثل لعيني من غوائل أعظمها وأقطعها وبواقي أشدها وأنكرها ، ونوائب مخلوطة بقضائك ونوازل معجونة بسخطك قال سدير : فاستطارت عقولنا ولها ، وتصدعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل ، والحادث الغائل ، فظننا أنه أشمت لمكروهة قارعة ، أو حلت به من الدهر بائقة ، فقلنا : لا أبكى اللّه يا ابن الورى عينيك من أية حادثة تستذرف دمعتك ، وتستمطر عبرتك ؟ وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟
قال : فزفر الصادق ( ع ) زفرة انتفخ منها جوفه واشتد عنها خوفه ، فقال : ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم ، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، الذي خصّ اللّه تقدس
هامش
( 1 ) المسح بالكسر : ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشعها وقهرا للجسد .
( 2 ) وفي المصدر ( الوالد ) بدل ( الوالهة ) .
( 3 ) الوجنة : ما ارتفع من الخدين . وما بين المعقفتين إنما هو في المصدر دون الأصل .
( 4 ) المحجر - بتقديم المهملة - من العين : ما دار بها .
( 5 ) ابتزّه : استلبه .