يكن صائما فليشهد غداء يعقوب وإذا أمسى نادى : من كان صائما فليشهد عشاء يعقوب ، « وفي المحاسن » ، عنه ( ع ) أن يعقوب لما قال بعد ما ذهب منه ابن يامين يا رب أما ترحمني أذهبت عيني وأذهبت ابني أوحى اللّه تبارك وتعالى إليه لو أمتهما لأحييتهما حتى أجمع بينك وبينهما ولكن أما تذكر الشاة ذبحتها وشويتها وأكلت وفلان إلى جنبك صائم لم تنله منها شيئا ؟ ومرّ في أول الفصل الثالث حديثا طويلا في قصة يعقوب ، « وفي الخصال » في خصال السجاد ( ع ) وكان يعجب أن يحضر طعامه اليتامى والأضراء والزمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم وكان يناولهم بيده ومن كان منهم له عيال حمل له إلى عياله من طعامه ، وكان لا يأكل طعامه حتى يبدأ فيتصدق بمثله ، « وفي المحاسن » كان أبو الحسن الرضا ( ع ) إذا أكان أتى بصحفة فتوضع قرب مائدته فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شيء شيئا فيوضع في تلك الصحفة ثم يأمر بها للمساكين ، « وفي دعوات الراوندي وغيره » عن أمير المؤمنين ( ع ) قوت الأجسام الطعام ، وقوت الأرواح الإطعام .
وجميع ما ذكرنا إنما هو في المنافع التي تحصل في الطعام بالإنفاق وأما الخارجية من غفران الذنوب ورفع الدرجات وقضاء الحاجات وأمثالها فهي كثيرة قد أشرنا إلى بعضها في ذكر الحقوق ، وإلى جميع ما ذكرنا أو أكثرها يشير قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
بناء على ما ذكره المفسرون من أن الطيب يطلق على ما حلله الشارع وعلى الطاهر ، وعلي الطاهر من كل شبهة وعلى ما خلا عن الأذى في النفس والجسد ، وعلى ما يستلذه الطبع المستقيم ولا يتنفر عنه ، وعلى ما لم يكن فيه جهة قبح توجب المنع ، واحتملوا أن يراد بالحلال ما خلا من جهة الخطر بحسب ذاته وأحواله الغالبة ، والطيب ما خلا من جهة الخطر من كل وجه ، وأن يكون الأول للاحتراز عن الحرام ، والثاني للاحتراز عن الشبهات ، وكذا قوله تعالى حكاية عن أصحاب الكهف :
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
، على ما قالوا : من أن المراد أحل وأطيب أو أكثر وأرخص ويحتمل أن يكون المراد أزكى أي أنمى للبدن إشارة إلى الرابع والخامس وللنفس إشارة إلى سواهما .