الكاذبين المستخفين بحرمة رب العالمين المنكرين لشريف مقاله
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
مبين .
الثالث : من يتعوّذ صادقا ويتكلم حقا ويحذر عن بطشه وكيده ، ويتحرس عن فخاخه ومصيده ، وهذا يختلف كيفية تعوّذه باختلاف حالاته ، لأنّه إما من الذين لم يطمع فيهم الخبيث في عمره ، ولم يبتلوا بتسويله وغروره ، أو كان من أتباعه وجنوده ويريد التخلص من شروره ومفاسده ، وخلع ربقته عن عنقه ونكث بيعته وعهد ذمته ، وهم على قسمين فإنه قد يكون عاكفا حين التعوذ على ما يتعوذ منه وقد يكون ما يتعوذ من شرّه من نتائج أعماله السابقة التي ارتكبها بأمر الخبيث وتركها لكنه يحصد ما زرعه بفعله ، وهو غافل عن مبدأه وأصله ، ولنشر إلى تكليف كل واحد عند الاستعاذة عن الرجس المارد :
الأول : المؤمن الصافي الخالص الطاهر من قذارة المعاصي ، وتخلصه من مكايد الشيطان وتفلته من حبائله وغروره في غاية السهولة كالحائط المشرف على الانحراف فإنه يستقيم بأضعف دعامة ، وأما لو أشرف على الانهدام وقلع أساسه بالتمام ، فإن إقامته فوق طاقة الأنام .
فاعلم : أنه في أول أمره لا يأمر المؤمن بارتكاب الجريرة ، وإنما يتدرج به في سيره إلى أن يوقعه في كبيرة ، فيأتي إليه أولا من قبل المباح الذي ليس في فعله جناح ، فيذكره ابتداء فعل ما ينجر إلى العصيان ويلقى في قلبه مثاله ، وينصرف إليه خياله في قبال الملك الذي يذكره الخير ويلهمه الطاعة ، فاللازم عليه عند ورود هذا الخاطر أن يستكشف أنه من الملك الموكل عليه أو من هذا الغادر ، ولا يغترّ بكونه من الطاعة صدوره من الأول ، إذ مرّ في وصايا أمير المؤمنين ( ع ) لكميل قوله ( ع ) : أنه يأتي لك بلطف كيده ويأمرك بما يعلم أنه قد ألفت من طاعة لا تدعها فتحسب أن ذلك ملك كريم وإنما هو شيطان فإذا أسكنت إليه واطمأننت حملك على العزائم المهلكة التي لا نجاة معها ، وقول الصادق ( ع ) : ولا يغرنك تزيينه للطاعة عليك فإنه يفتح عليك تسعة وتسعين بابا من الخير ليظفر بك عند تمام المائة ، بل قد يأمره بالطاعة ليفوت عنه أخرى