منه عندها ، ويظهر منها ومما تقدم الاعتناء بها ، وتقديمها عند كل أمر ولكن الناس في غفلة من أمرها ومعرفة صادقها وكاذبها وكيفية تأثيرها وموانعه .
وشرح ذلك أن الناس في استعاذاتهم على أقسام :
الأول : جماعة يستعيذون من الشيطان على الرسم والعادة بالكلمات الواردة من غير معرفة لهم إلى معناها ومفادها « 1 » والتجاء منهم حقيقة إليه تعالى من شرّ الشياطين ومكائدها ، فهم في مقالهم لاغون ، وفي ساك تبعة اللعين منخرطون .
الثاني : من يقصد معنى ما يقوله ويسأل منه تعالى إنجاح مسئوله ويتضرع إليه في دفع شره وضرره ، لكنه بفعله يتبع خطوات الشيطان ويقفو أثره بالجوارح والجنان ، منهمك في أوقات تعوذه وغيرها في اللذائذ والمشتهيات التي توقعه غالبا في مساوئ المكروهات ، التي تسهل عليه ارتكاب المشتبهات المستلزمة لاقتراف الموبقات ، التي فيها غاية مني عدوّه منه ، كما قال تعالى :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
ومن اقتحم فيها فقد حمل الشيطان على ظهره ، ومكّنه في مكنون صدره وأحله محل رأيه وفكره ، وجعله ولي أمره وسيد جوارحه ورئيس أعضائه ، فلا يتخطى خطوة إلا وحذى حذوه ولا تدهمه داهية إلا واليه ملاذه ، ولا يأمره بقبيح إلا فعله ولا ينهاه عن محبوب إلا تركه ، فإذا استعاذ منه حينئذ باللسان فقد استخف بحرمة الملك المنان ، وتجرأ على السلطان العظيم الشأن القائل له :
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
، المذكر له في كثير من مواضع كتابه عداوته للإنسان ، الآمر له بالمعاملة معه معاملة العدو الخائن المكار الذي لا يجوز الإصغاء إلى مقاله فضلا عن اتباع مقاله وفعاله ، واستضحك من صديقه الذي آنس به في آناء الليل والنهار ، واعتنقه إلى صدره ثم يتبرأ منه بالقول ويستعيذ منه إلى العزيز الجبار ، فهو مع عدم انتفاعه باستعاذته وما يستعيذ له قد أدخل نفسه في ديوان
هامش
( 1 ) يعني من دون توجه إلى المعنى والعمل ولو كان ممن يعرف اللسان .