فإنه لولا النسيان لما سلي أحد عن مصيبة ، ولا انقضت له حسرة ، ولا مات له حقد ولا استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكر الآفات ولا رجا غفلة من سلطان ولا فترة من حاسد وغير ذلك من النعم الخفية التي بها يهنا العيش وتتم الألطاف الإلهية التي تجب في الحكمة أعمالها في البرية ، وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
بناء على أن يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل ، فإنه تعالى يذكر عباده في كل وقت بما يحتاجون إليه ، وينعمهم بما فيه صلاحهم ، فعند المصيبة بإلقاء الصبر وعند الرخاء بإرسال البلاء ، وعند الشكر بازدياد الآلاء ، وعند الخوف بتقوية الرجاء وهكذا ، وأما عمل نفس الإنسان حيثما بلغ إلى هذا المقام ومنعه بعض ما دهمه عن المنام وغيره من ضروريات الأنام ، فالتأمل أولا في أن الواجب على العبد في حالتي سخط مولاه عليه ورضاه عند عدم التخطي عن تكليفه المعين عليه وقتئذ ، ثم الاشتغال بالعبادات التي تشبه العاديات في حفظ الجسد والتذاذ النفس ، كالأنس بأخيه المؤمن وزيارته وصلة الأرحام ، وتعليم الحلال والحرام ، وزيارة أئمة الأنام وغير ذلك ممّا فيه رضى الرب وحفظ النظام .
تنبيه [ في سائر أسباب الأرق : ]
وللأرق سببان آخران يجب الإشارة إليهما :
الأول : يسهر المؤمن لكون أحد من إخوانه في الأظلة شاكيا
ساهرا لبعض الأوجاع الذي ابتلى به ، وذلك لاتصال روحيهما وشدة الألفة بينهما كما مرّ في الصادقي إنما المؤمنون إخوة بنو أب وأم ، فإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر الآخرون ، بل يدخل على كل واحد من الهمّ والفرح والحزن ما يدخل على الآخر . وفي الكافي عن أبي جعفر ( ع ) : أن اللّه ( عزّ وجلّ ) خلق المؤمنين من طينة الجنان ، وأجرى فيهم من ريح روحه ، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها .
الثاني : أن يذهب عن عين مؤمن نومها بظلمه
وجوره عليه سواء كان ذلك