هذا الثوب الممزق الملطخ بالدم ؟ ومن هذا الذي يخاطبك وهو بغير رأس ؟
وما هذا الذي يسيل منه ؟ فزادت حسرتها واشتعلت زفراتها وانتحبت نحيبا عاليا مترادفا ؛ واختنقت وقالت سألتني عظيما وطلبت مني أمرا جسيما ، أنا أم هذا الشهيد المظلوم ؛ أنا بنت نبي هذه الأمة ، أنا فاطمة الزهراء أم الحسين الذي قتلته أمة جده من بعدنا ، واستوحدوه حين متنا ، ثم علا نحيبها وإذا بنساء أقبلن من بين تلك الأشجار ، كأنهن الشموس الطالعة وهي من غير ستر ولا شعار ، وجلسن حول ذلك الجالس الذي من غير رأس ؛ ناشرات شعورهن مفجعات بندبهن ، فدنوت منها وقلت : يا سيدتي وما هذا الثوب الذي بيدك تغسلينه ؟
قالت : هذا ثوب ولدي الحسين الذي كان لابسه بكربلاء يوم الحرب فقلت : يا سيدتي وما تصنعين به ؟ قالت : إذا أردت ان أبكي على ولدي أحضر هذا الثوب وأتأمل طعنات بني أمية ، وضربات سيوفهم ؛ وهذا شأني ودأبي إلى أن تقوم القيامة ؛ فآخذ هذا الثوب المصبغ وأقف ببطن الموقف وأشكو هضمي « 1 » وظلمي وفعل بني أمية بولدي وبناتي ؛ فما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلّا ويخر ساجدا على وجهه وأنا رأسي مكشوف وملطخ من هذا الدم الذي يسيل من نحر هذا الجالس الذي من غير رأس فيغضب اللّه لغضبي ، فيجمع كل من ظلمنا أهل البيت ، فيخرج عليهم لسان من نار فيحيط بهم .
فقلت : يا سيدتي ان أبي كان راثيا لكم خصوصا لولدك الحسين فماذا صنع اللّه به ؟ قالت : قصره محاذي لقصورنا ، قالت : هو قال ومن بعض قوله :
أيها الشيعي ابك للحسين المستظام * لا تمل النوح فيمن جده خير الأنام
فقلت : سيدتي ما جزاء من يبكي لكم وينفق من ماله في عزاء الحسين ويسهر عليه حزنا أو يسعى بحاجة من يقيم عزائه ويسقي فيه ماء ويلعن عدوكم ؟
قالت : لهم الجنة وكل ذلك إعانة لنا فأبشر وبشرهم بجوارنا ، فوحق أبي وبعلي
هامش
( 1 ) من هضم فلانا : ظلمه .