من النساء ، فلما رأين القبة البيضاء وقعن من ظهور الجمل إلى الأرض ، فحثين التراب على رؤوسهن ولطمن على خدودهن وقلن : وا حسناه وا حسيناه وا غربتاه وا ضيعتاه وا قلة ناصراه .
فلحق بهن رجل كوسج اللحية أزرق العينين وضربهن وركبهن كرها ، فرأيت يا سيدي ومولاي واحدة منهن وأظنها أكبر سنا يتقاطر الدم من تحت قناعها من شدة وجدها وحزنها على ما هي فيه ، وكان يا سيدي أمام الرؤوس رأس له نور يزهر يغلب على شعاع الشمس والقمر ، ولما قربوا من تلك القبة البيضاء وقف الرجل الذي هو حامل الرأس الشريف فزجروه وأصحابه وضربوه وأخذوا الرأس الشريف منه ، وقالوا له : يا لكع الرجال « 1 » لقد عجزت عن حمله ، قال : ولكن لم أر رجلا تساعفني « 2 » عن المسير فضربوه وأخذوا الرأس من عنده وناولوه رجلا آخر ، فوقف كذلك فجعلوا يتناولونه واحد بعد واحد حتى نقلوه ثلاثون رجلا واللّه أعلم يا سيدي والكل منهم لم يجد رجلا تساعفه على المسير .
فأخبروا بذلك أمير القوم فنزل عن فرسه وباقي القوم نزلوا كذلك وضربوا له خيمة أزهى من ثلاثين « 3 » ذراع وجلس أمير القوم في وسط الخيمة والباقي من حوله ، وأتوا بتلك النساء والأطفال ورموهم على وجه الأرض بغير مهاد ولا فراش تصهرهم الشمس « 4 » وتلفح وجوههم الريح ، ونصبوا الرماح التي عليها الرؤوس أمام تلك النساء والأطفال عمدا وقصدا لكسر خواطرهم وزيادة لما هم فيه من حرقة قلوبهم وتفتت أكبادهم « 5 » .
قال النصراني : يا سيدي ومولاي ، فجزعت لذلك جزعا شديدا ولطمت
هامش
( 1 ) اللكع : اللئيم .
( 2 ) ساعفه : ساعده وعاونه .
( 3 ) أي أطول .
( 4 ) صهرته الشمس : أصابته وحميت عليه .
( 5 ) التفتت : التكسر .