فما أجرأهم على اللّه وعلى انتهاك حرمة رسول اللّه ؟ ! قال الراوي : لما سمع علي بن الحسين سقوط الرأس في حجر الجارية الحسناء ، قام على طوله ونطح جدار البيت بوجهه ؛ فكسر أنفه وشج رأسه وسال دمه على صدره ، وخرج مغشيا عليه من شدة الحزن والبكاء .
فلما أفاق من غشوته صرخ صرخة عالية حتى سمعها أهل المدينة ، فماجت المدينة بأهلها كما تموج السفينة في البحر ، فخرجن نساؤه وبناته وأهل بيته وكلهن كان حاضرا وأتين إليه يتعثرن بأذيالهن لما سمعوا تلك الصيحة العالية من علي بن الحسين فرأينه في بكاء دائم وعزاء قائم ، فتصارخن في وجهه وتباكين لبكائه ونعين لنعائه ، قال النصراني : وقد ظنت النساء بان سبب هذا البكاء وتجديد هذا العزاء مني ، فأتتني واحدة من تلك النساء وقالت : يا ويلك يا هذا ! قد هيجت على هذا العبد الصالح أحزانا كامنة في قلبه وعبرة منكسرة في صدره وأرادت تخرجني من البيت ، فمنعها الإمام ، فبينما الإمام في بكائه وحنينه على ما ذكرت له وإذا بصبي قد أتى إليه وجلس إلى جانبه ، وقال : يا أبتاه على من هذا البكاء ؟ ولمن هذا العزاء ؟ قال : نعم يا بني هذا الرجل النصراني يذكر انه رأى في منامه رأس جدك الحسين ورؤوس أولاده وأهل بيته ورؤوس أخوته وبني أخيه ونسائه وأطفاله يدار بهم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان ومن سكة إلى سكة فبكى الصبي ولطم على خده وصاح بأعلى صوته : يا جداه وا حسيناه وا غريباه وا مظلوماه ، يا ليتني قد قتلت بين يديك يا جداه يا ليتني قد جرعت كأس الردى دونك ؟ يا جداه يا ليتني كنت لك الفدا وروحي لروحك الوقا .
وإذا بجارية أتت إليه وحملته على صدرها وجلست ناحية عن أبيه من شفقتها عليه ، وجعلت تمسح الدم عن وجهه وتعزيه ، فلا يتعز وتسليه فلا يتسلى ، ورأيت أيضا شخصا كبيرا وقد جلس على البيت من خارج الباب وهو يلطم على خديه ويصيح ويندب بأعلى صوته وا قوماه وا اهلاه وا حسناه وا حسيناه ، وا جعفراه وا عقيلاه وا حمزتاه وجعل يقوم ويجلس وينتحب ويبكي ، قال النصراني : فرأيت علي بن الحسين قد تغيرت أحواله ، فأمسكت عن الكلام
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام — صفحة 200
مساهمون: ميرزا حسين النوري الطبرسي
ص٢٠٠