فلما وقف الصفان ، ماج عسكرنا كموج بحر عمان ، ورماهم بما هو كالمطر النازل من الهتان . فرتبنا وزيرنا الأعظم ، ودستورنا المفخم « سنان باشا » في الميمنة ، ثم هزبرنا المكرم ، وزيرنا المعظم يونس باشا في الميسرة ، واصطف الجيشان ، وتزاحف العسكران ، ثم زحف العسكر المصري على سنان باشا في الميمنة ، ورموا عليه بالمكاحل والسبقيات والكفيات والبندقيات فما روّعه ذلك ولا أزعجه ، ولا أخافه ، ولا أرجفه ، بل جال فيهم وصال ، وقطع منهم الأوصال ، ورمى منهم الرؤوس عن الجثث ، وغنى فيهم بالسيف إلى أن خاضت خيولهم في الدماء والقتلى ، ثم ولّوا من بين يديه منهزمين إلى الميسرة فتلقاهم يونس باشا المشار إليه .
وصال بالطعن والضرب ، وجال فيهم بضروب أنواع الحرب ، فأرادوا الفرار ، فناداهم ، لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت والقتل فكم من فارس تجندل صريعا ، وكم من أمير أحضروه « 1 » إلينا أسيرا .
وأما غالب العسكر المخذول ، فداسهم عسكرنا تحت حوافر الخيول « 2 » واستمرت « 3 » الحرب إلى ما بين الصلاتين ، وصارت « 4 » حرب عظيمة . وجرح سنان باشا ، وذلك بإرادة اللّه
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
[ 1 ] ، وصارت عساكرنا غالبة [ منصورة ] [ 2 ] والعساكر المصرية مغلوبة مقهورة ، وقالوا أين المفر . . ؟ فالذي « 5 » سلم من سيوفنا ، ورمى نفسه عن فرسه قبضوا عليه ، ومنهم من قطعوا رأسه وأرسلوه إلينا . والمأسورون عملناهم إشارات لنبلنا ، وغذاء لسيوفنا ، وصارت أبدانهم وخيولهم ورؤوسهم كثبانا بعد هذه المعركة الكائنة في الريدانية .
ثم توجه ركابنا الشريف لمنزلة بولاق ، وكان قد فصل عن بقية سيوفنا من العساكر المصرية ، فهربوا واجتمعوا هم والسلطان « طومان باي » « 6 » ، وجمعوا
هامش
[ 1 ] سورة المائدة : الآية ، 56 .
[ 2 ] نقلا عن ابن طولون ( ابن طولون : مفاكهة الخلّان ج 2 ص 46 ) .
( 1 ) في د ( احصروه ) .
( 2 ) في د ( الحيول ) .
( 3 ) في صل ود ( استمر ) .
( 4 ) في صل ود ( صار ) .
( 5 ) في صل ود ( والذي ) .
( 6 ) في د ( طومنباي ) .