تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
مثل هذا الشّعر ، ولا تعرف قائله ؟ فخرج من عنده خجلا ، فلمّا صار إلى منزله دعا حاجبه ، وقال : من بالباب من الشّعراء ؟ قال : مسلم بن الوليد . قال : فكيف حجبته عنّي ، فلم تعلمني به ، قال : أخبرته أنّك مضيق ، وأنّه ليس في يدك مال تعطيه ، وسألته الإمساك والمقام أياما ، إلى أن يتّسع عليك الحال ، فقال : ادخله إليّ ، فأنشده قصيدته التي يقول فيها :
موف على مهج في يوم ذي رهج * كأنّه أجل يسعى إلى أمل تراه في الأمن في درع مضاعفة * لا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقه * ولا يمسّح عينيه من الكحل قد عوّد الطّير عادات وثقن بها * فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل للّه من هاشم في أرضه جبل * وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل « 1 »
فقال له : قد أمرت لك بخمسين ألف درهم فاقبضها وأعذر ، فخرج الحاجب فقال قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه بمائة ألف درهم ، خمسون ألفا منها لك ، وخمسون ألفا لنفقته ، فأعطاه إيّاها . فكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرّشيد فأمر له بمائتي ألف درهم وقال : اقبض الخمسين ألف درهم ، التي أخذها الشاعر وزده مثلها ، وخذ مائة ألف لنفقتك ، فافتكّ ضيعته وأعطى مسلما خمسين ألفا أخرى « 2 » .
هامش
( 1 ) ديوان صريع الغواني ، ص 9 . ( 2 ) وفيات الأعيان ، م 6 ص 331 - 333 ؛ المستجاد من فعلات الأجواد ، ص 100 - 102 ؛ تاريخ بغداد ، ج 14 ص 334 ؛ فوات الوفيات ، ج 4 ص 136 - 142 ، وقد ذكر القصيدة بكاملها ، أنه وإن كانت الأموال وفيرة في زمن العباسيين وخصوصا الرشيد ، إلا أن هذا لا يسوغ العطاء بهذه الكثرة لأن الفقهاء قالوا إن زادت موارد بيت المال عن مصارفه فأما أن يدخر لما ينوب المسلمين كما قال أبو حنيفة أو يوزع على الكافة حسب أعطياتهم والرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يفرق بين صلات يعود نفعها على المسلمين عامة كإعطاء المؤلفة قلوبهم وبين صلات لا تعود -