ما استوعروا وأعطينا الحق وغمطوا « 1 » . واللّه لا أكرم أحدا ، بمهانة نفسي ، والسعيد من وعظ بغيره ، لأن سادة الناس في الدنيا الأسخياء ، وفي الآخرة الأتقياء « 2 » .
وقام عمرو بن عبيد « 3 » بين يدي المنصور فقال : إن اللّه عز وجل أعطاك الدنيا بأسرها فاشتري نفسك ببعضها . واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة فيه .
فوجم أبو جعفر في قوله فقال الربيع « 4 » له يا عمرو غممت أمير المؤمنين فقال عمرو أن هذا قد صحبك عشرين سنة لم ير عليه أن ينصحك ، يوما واحدا .
وما عمل وراء بابك ، بشيء من كتاب اللّه عز وجل ولا سنّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وعلى آله . فقال أبو جعفر فما أصنع قد قلت لك خاتمي بيدك ، فتعال أنت وأصحابك فاكفوني هذا الأمر . فقال عمرو أدعنا بعد ذلك تسمح نفوسنا بعونك ، ببابك ألف مظلمة ، أردد منها شيئا نعلم أنك صادق « 5 » .
هامش
( 1 ) غمط النعمة لم يشكرها يقال غمط عيشه أي بطره وحقره وغمط الناس الاحتقار لهم والازدراء بهم .
( 2 ) الطبري ، ج 10 ص 430 وذكر فيه الخطبة باستثناء الجملة الأخيرة فإنها من كلام علي بن عبد اللّه بن عباس استشهد بها المنصور في خطبته على ما ذكر ذلك صاحب عيون الأخبار ، م 1 ج 3 ص 225 ؛ مروج الذهب ، ج 2 ص 235 .
( 3 ) هو أبو عثمان عمرو بن عبيد المتكلم الزاهد المشهور . كان جده من سبي كابل من جبال السند ، يعد شيخ القدرية والمعتزلة في وقته . ولد سنة 80 ه وجالس الحسن البصري ثم اعتزله هو وجماعة معه فسموا المعتزلة . جرحه كثير من الأئمة ولم يعدوه من الثقات بل قالوا أنه يكذب في الحديث . وكان محضيا عند أبي جعفر المنصور توفي سنة 142 ه ؛ شذرات الذهب ، ج 1 ص 210 - 211 ؛ وفيات الأعيان ، م 3 ص 460 - 462 .
( 4 ) هو أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد . حاجب المنصور ووزيره فقد وزر له بعد أبي أيوب المورياني . وكان المنصور كثير الميل إليه ، حسن الاعتماد عليه . وقيل أن المنصور كان إذا أراد بإنسان خيرا أمر بتسليمه إلى الربيع توفي أول سنة 170 ه / وفيات الأعيان ، م 2 ، ص 294 - 299 ؛ شذرات الذهب ، ج 1 ص 274 ؛ النجوم الزاهرة ، ج 2 ص 65 .
( 5 ) عيون الأخبار ، م 2 ص 337 ؛ مروج الذهب ، ج 2 ص 239 ؛ زهر الآداب ، ج 1 ص 102 - 103 ؛ تاريخ الخلفاء ، ص 265 .