تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
قال أبو إسحاق : وهذا القولُ عندي ليس بجائز ؛ لأنّ اللَّه قد أنبأ النبيَّ عليه السلام في قوله تعالى :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
[ الإسراء : 86 ] ، أنه لا يشاء أن يَذهَب بما أوحَى به إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم . قال : وفي قوله تعالى :
فَلا تَنْسى
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ الأعلى : 6 ، 7 ] قولان يُبْطِلان هذا القولَ الذي حَكَيْناه عن بعض أهل اللغة : أحدُهما :
فَلا تَنْسى
أي : فلستَ تَتْرك إلا ما شاء اللَّه أن تَتْرُك . قال : ويجوز أن يكون :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
ممّا يلحق بالبَشَريّة ، ثم تذَكَّرُ بعدُ ليسَ أنه على طريق السَّلْب للنبيّ عليه السلام شيئا أوتيَه من الحكمة . قال : وقيل في
أَوْ نُنْسِها
قول آخر ؛ وهو خطأ أيضا . قالوا : أو نَتركها ، وهذا إنما يقال فيه : نَسِيت إذا تركت ، لا يقال : أُنْسيتَ تركت ، وإنما مَعنى :
أَوْ نُنْسِها
[ البقرة : 106 ] أو نتركها ، أي : نأمركم بتَرْكِها . قلتُ : وممّا يقوِّي قولَه ، ما أخبرَني المنذريُّ عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه أنشده :
إنّ عليَّ عُقْبَةً أَقْضِيها * لستُ بناسِيها ولا مُنْسِيها
قال : بناسِيها : بتارِكها ، ولا مُنسِيها : ولا مؤخِّرها ، فوافَق قول ابن الأعرابيّ قَولَه في النَّاسي أنّه التارك لا المنسيّ ؛ واختلف قولهما في المُنْسِي ، وكان ابن الأعرابي ذهبَ في قوله : « ولا مُنْسِيها » إلى ترك الهمز ، مِن أَنسَأْت الدَّيْنَ ، أي : أخَّرْتَه على لغة مَن يخفِّف الهمزة . وأمّا قولُ اللَّه جلّ وعزّ حكايةً عن مريمَ :
وَكُنْتُ نَسْياً
مَنْسِيًّا [ مريم : 23 ] ، فإنّه قرىء
( نَسْياً
) و ( نِسْيا ) ، فمن قرأ بالكسر فمعناه حَيْضةً مُلْقاةً ، ومن قرأ
( نَسْياً
) فمعناه شيئا مَنْسِيا لا أُعرَف ، وقال الزّجّاج : النِّسْيُ في كلامِ العَرَب : الشيءُ المطروح لا يُؤْبَه له ، وقالَ الشَّنْفَري :
كأنّ لها في الأرض نِسْيا تَقُصُّه * على أُمِّها وإنّ تُحاطِبْك تَبْلَتِ
وقال الفرّاء : النِّسْيُ والنَّسْيُ لغتان فيما تُلْقِيه المرأةُ من خِرَق اعتلالِها . قال : ولو أَردتَ بالنِّسْيِ مصدَر النِّسْيان كان صوابا ، والعَرَب تقول : نَسِيتُه نِسْيانا ونِسْيا . وأخبَرَني المُنذِريُّ عن ابن فَهْم ، عن محمّد بن سلّام ، عن يونسَ أنّه قال : العَرَبُ إذا ارتَحَلوا من الدّار قالوا : انْظُروا أَنساءَكم : أي : الشيءَ اليَسيرَ نحو العَصَا والقَدَح والشِّظاظ . وقال الأخفش : النِّسْيُ : ما أغفِل من شيء حقيرٍ ونُسِيَ . وأخبَرَني الإياديُّ عن شمر عن ابن الأعرابيّ أنّه أَنشَدَه :
سَقَوْني النَّسْيَ ثم تكنَّفُونِي