تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
بظاهر الكِتاب أنهم سَجَدوا ليُوسُفَ ، دَلَّ عليه رُؤياهُ التي رآها حِين قال :
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] . فظاهِرُ التلاوةِ أنَّهم سَجدُوا ليوسُفَ تعظيماً له مِنْ غير أنْ أشْرَكُوا باللَّه شيئاً ، وكأنَّهُمْ لم يَكونوا نُهُوا عن السجودِ لغير اللَّه في شريعتهم . فَأمَّا أمة محمدٍ صلى اللّه عليه وسلم ، فقد نهَاهُمُ اللَّه عن السُّجودِ لغيرِ اللَّه جلّ وعزّ . وفيه وَجْهٌ آخرُ لأهلِ العَربيَّةِ ، وهو أن تُجعَلَ اللامُ في قوله :
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
. وفي قوله :
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] لَامَ من أَجْل المعنى : وَخَرُّوا من أَجْلِه سُجَّدا للَّه تَشَكُّراً لِمَا أنْعَمَ اللَّه عليهم بيوسفَ عليه السلامُ ، وهذا كقولِكَ : فَعلْتُ ذلك لِعُيون الناس أَي مِن أَجْلِ عُيونهم . وقال العجَّاجُ :
تَسْمَعُ لِلْجَرْعِ إذا اسْتُحِيرَا * لِلْمَاءِ في أجْوَافِها خَرِيرَا
من أجْل الجَرْعِ ، واللَّه أعلم . وقال الليث : السَّاجِدُ في لُغةِ طَيِّئٍ : المُنْتَصِبُ . قلت : ولا أحفظه لغيره . حدثنا الحسين ، عثمان بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قول اللَّه جل وعز :
ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً
* قال : باب ضيق « 1 » ، وقال :
( سُجَّداً
) * أي ركَّعاً . وفي نوادر أبي عمرو : الساجد في لغة طيئ المنتصب . وروى ابنُ هانئ لأبي عبيدةَ أنه قال : عَيْنٌ ساجدةٌ إذا كانت فاترةً ، ونَخْلَةٌ ساجدةٌ إذا أَمالها حِمْلُها . قال لبيد :
غُلبٌ سَواجِدُ لمْ يَدْخُلْ بها الحَصَرُ
وكل مَن ذَلَّ وخضَعَ لمِا أُمِرَ به فقد سَجَدَ . ومنه قول اللَّه
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً
لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [ النحل : 48 ] أي خُضَّعاً متسخِّرة لما سُخِّرتْ له . وسجود المَوَاتِ كلُّه في القرآن : طاعتُه لِمَا سُخِّرَ لَهُ . ومنه قول اللَّه جل وعز :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ
لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ - إلى قوله -
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ
[ الحج : 18 ] وليس سُجُودُ المَوَاتِ للَّه بأَعْجَبَ مِنْ هُبُوطِ الحِجَارَةِ من خَشْيَةِ اللَّه ، وعلينَا التَّسْلِيمُ للَّه ، والإيمانُ بمَا أنْزَلَ منْ غَيْرِ تَطَلُّبِ
هامش
( 1 ) زيادة من « اللسان » ( سجد ) ، وانظر : « تفسير الطبري » ( 1 / 238 ) .
تهذيب اللغة — صفحة 302 | أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري