ويؤديه إلى الحس الباطن مثل إدراك الشاة لصورة الذئب أعنى تشكّله وهيئته ولونه ، فإن الحس الباطن من الشاة يدركها ، لكن إنما يدركها أوّلا حسها الظاهر . وأما المعنى فهو الشئ الذي تدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس الظاهر أوّلا ، مثل إدراك الشاة للمعنى المضاد في الذئب أو للمعنى الموجب لخوفها إياه ، وهربها عنه من غير أن يدرك الحس ذلك البتة . فالذي يدرك من الذئب أولا الحس الظاهر ثم الحس الباطن فإنه يخصّ في هذا الموضع باسم الصورة « 1 » . والذي تدركه القوى الباطنة دون الحس فيخص في هذا الموضع باسم المعنى .
والفرق بين الإدراك مع الفعل والإدراك لا مع الفعل ، أن من أفعال بعض القوى الباطنة أن يركّب بعض الصور والمعاني المدركة مع بعض ويفصّله عن بعض ، فيكون قد أدرك وفعل أيضا فيما أدرك .
وأما الإدراك لا مع الفعل فهو أن تكون الصورة أو المعنى يرتسم في الشئ فقط من غير أن يكون له أن يفعل فيه تصرفا البتة .
والفرق بين الإدراك الأول والإدراك الثاني أن الإدراك الأول هو أن يكون حصول الصورة على نحو مّا من الحصول وقد وقع للشئ من نفسه ؛ والإدراك الثاني هو أن يكون حصولها للشئ من جهة شئ آخر أدّى إليها .
فمن القوى المدركة الباطنة الحيوانية قوة بنطاسيا « 2 » والحس المشترك
هامش
( 1 ) - قوله : يخص في هذا الموضع باسم الصورة . وسيأتي قوله في ذلك في آخر الفصل الأول من المقالة الرابعة : « قد جرت العادة بان يسمى مدرك الحس المشترك صورة ، ومدرك الوهم معنى » .
( 2 ) - بنط : بتقديم الباء على النون بمعنى اللوح . والسيا بمعنى النفس يوناني . يعنى لوح النفس .