المحتاج درّاكا أدرك بأنه غير منتفع به ولم يدرك من حيث يدرك ذلك أن السحاب قد حال ، بل من حيث هو مبصر ، وليس هو من حيث هو مبصر متأذيا بذلك ، متضررا أو منتقصا بل من حيث هو شئ آخر ، وربما كان مواصلا يدركه مدرك عدم السلامة كمن يتألم بفقدان اتصال عضو بحرارة ممزّقة ، فإنه من حيث يدرك فقدان الاتصال بقوة في نفس ذلك العضو يدرك المؤذى الحار أيضا ، فيكون قد اجتمع هناك إدراكان : إدراك على نحو ما سلف من إدراكنا الأشياء العدمية ، وإدراك على ما نحو سلف من إدراكنا الأمور الوجودية ، وهذا المدرك الوجودي ليس شرا في نفسه بل شرا بالقياس إلى هذا الشئ . وأما عدم كماله وسلامته فليس شرا بالقياس إليه فقط حتى يكون له وجود ليس هو به شرا ، بل وليس نفس وجوده إلّا شرا فيه وعلى نحو كونه شرا ، فإن العمى لا يجوز إلّا أن يكون في العين ، ومن حيث هو في العين لا يجوز أن يكون إلّا شرا ، وليس له جهة أخرى حتى يكون بها غير شر . وأما الحرارة مثلا إذا صارت شرا بالقياس إلى المتألم بها ، فلها جهة أخرى تكون بها غير شر ، فالشر بالذات هو العدم ولا كل عدم ، بل عدم مقتضى طباع الشئ من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته ، والشر بالعرض هو المعدم ، أو الحابس للكمال عن مستحقه ، ولا خبر عن عدم مطلق إلّا عن لفظه ، فليس هو بشر حاصل ، ولو كان له حصول ما لكان الشر العام . فكل شئ وجوده على كماله الأقصى ، وليس فيه ما بالقوة فلا يلحقه شر ، وإنما الشر يلحق ما في طباعه ما بالقوة ، وذلك لأجل المادة .
والشر يلحق المادة لأمر أول يعرض لها في نفسها ، ولأمر طارئ من بعد .
فأما الأمر الذي في نفسها فأن يكون قد عرض لمادة ما في أول وجودها بعض أسباب الشر الخارجة فتمكن منها هيئة من الهيئات تلك الهيئة تمانع استعدادها
الإلهيات من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى ) — صفحة 451
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٥١