فإذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدأ الأول وبما يعقل منه أو يدرك منه على نحو عقلي أو نفساني ، شغل ذلك عن كل شئ وكل جهة ، لكنه ينبعث عن ذلك ما هو أدون منه مرتبة ، وهو الشوق إلى التشبه به بمقدار الإمكان ، فيلزم طلب الحركة لا من حيث هي حركة ، ولكن من حيث قلنا ؛ ويكون هذا الشوق يتبع ذلك العشق والالتذاذ منبعثا عنه ، وهذا الاستكمال منبعثا عن الشوق ، فعلى هذا النحو يحرّك المبدأ الأول جرم السماء .
وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا ، أن المعلم الأول إذا قال : إن الفلك متحرك بطبعه فماذا يعنى ، أو قال : إنه متحرك بالنفس فماذا يعنى ، أو قال :
متحرك بقوة غير متناهية تحرك كما يحرك المعشوق فماذا يعنى ، فإنه ليس في أقواله تناقض ولا اختلاف .
ثم أنت تعلم أن جوهر هذا الخير المعشوق الأول واحد ، ولا يمكن أن يكون هذا المحرك الأول الذي لجملة السماء فوق واحد ، وإن كان لكل كرة من كرات السماء محرك قريب يخصها ، ومتشوق معشوق يخصها على ما يراه المعلم الأول ومن بعده من محصلي علماء المشائين ؛ فإنهم إنما ينفون الكثرة عن محرك الكل ، ويثبتون الكثرة للمحركات المفارقة وغير المفارقة التي تختص واحدا واحدا منها ؛ فيجعلون أول المفارقات الخاصة محرك الكرة الأولى ، وهي عند من تقدم بطليموس « 1 » كرة الثوابت ، وعند من تعلم بالعلوم التي ظهرت لبطليموس كرة خارجة عنها محيطة بها غير مكوكبة ، وبعد ذلك فمحرك الكرة التي تلى الأولى بحسب اختلاف الرأيين ، وكذلك هلم جرا « 2 » .
هامش
( 1 ) - بطليموس بتقديم الياء على الميم .
( 2 ) - فهلّم جرّا ، نسخة .