فلا تكون وجدت فعقلناها ، ولكن عقلناها فوجدت . ونسبة الكل إلى العقل الأول الواجب الوجود هو هذا ، فإنه يعقل ذاته وما توجبه ذاته ويعلم من ذاته كيفية كون الخير في الكل ، فتتبع صورته المعقولة صور الموجودات على النظام المعقول عنده ، لا على أنها تابعة اتباع الضوء للمضى والإسخان للحار ، بل هو عالم بكيفية نظام الخير في الوجود ، وأنه عنه وعالم بأن هذه العالمية يفيض عنها الوجود على الترتيب الذي يعقله خيرا ونظاما .
وعاشق ذاته التي هي مبدأ كل نظام خير من حيث هي كذلك ، فيصير نظام الخير معشوقا له بالعرض ، لكنه لا يتحرك إلى ذلك عن شوق فإنه لا ينفعل منه البتة ، ولا يشتاق شيئا ولا يطلبه . فهذه إرادته الخالية عن نقص يجلبه شوق وانزعاج قصد « 1 » إلى غرض .
ولا يظن أنه لو كانت للمعقولات عنده صور وكثرة كانت كثرة الصور التي يعقلها أجزاء لذاته ، وكيف وهي تكون بعد ذاته ؟ لأن عقله لذاته ذاته ، ومنه يعقل ما بعده ، فعقله لذاته علة عقله ما بعد ذاته ، فعقله ما بعد ذاته معلول عقله لذاته . على أن المعقولات والصور التي له بعد ذاته أنما هي معقولة على نحو المعقولات العقلية لا النفسانية ، وإنما له إليها إضافة المبدأ الذي يكون عنه لا فيه ، بل إضافات على ترتيب بعضها قبل بعض ، وان كانت معا لا تتقدم ولا تتأخر في الزمان ، فلا يكون هناك انتقال في المعقولات .
ولا يظن أن الإضافة العقلية إليها إضافة له إليها كيف وجدت ، وإلّا لكان كل مبدأ صورة في مادة من شأن تلك الصورة أن تعقل بتدبير مّا من تجريد
هامش
( 1 ) - « قصدا » نسخة .