ونحن نسمّى إمكان الوجود قوة الوجود ؛ ونسمّى حامل قوة الوجود الذي فيه قوة وجود الشئ موضوعا وهيولى ومادة وغير ذلك بحسب اعتبارات مختلفة ، فإذن كل حادث فقد تقدمته المادة .
فنقول : إن هذه الفصول التي أوردناها توهم أن القوة - على الإطلاق - قبل الفعل ومتقدمة عليه لا في الزمان وحده ، وهذا شئ قد مال إليه عامة من القدماء .
فبعضهم جعل للهيولي وجودا قبل الصورة ، وأن الفاعل ألبسها الصورة بعد ذلك إما ابتداء من نفسه وإما لداع دعاه إليه ، كما ظنه بعض الشارعين فيما لا يعنيه ولا له درجة الخوض في مثله ، فقال : إن شيئا كالنفس وقع له فلتة أن اشتغل بتدبير الهيولى وتصويرها فلم يحسن التدبير ولا كمّل بحسن التصوير ، فتداركها الباري تعالى وأحسن تقويمها .
ومنهم من قال : إن هذه الأشياء كانت في الأزل تتحرك لطباعها « 1 » حركات غير منتظمة ، فأعان الباري تعالى طبيعتها ونظّمها .
ومنهم من قال : إن القديم هو الظلمة أو الهاوية أو شئ لا يتناهى لم يزل ساكنا ، ثم حرك ، أو الخليط الذي يقول به أنكساغورس « 2 » . وذلك لأنهم
هامش
( 1 ) - أي كانت هذه الأشياء أجزاء صغارا صلبة وهي قوّة قبل الانتظام .
( 2 ) - قال الخواجة قدس سره في شرح الفصل الثالث والعشرين من النمط الثاني من الإشارات : « انكساغورس وأصحابه القائلون بالخليط كانوا ينكرون التغيّر في الكيفية وفي الصورة ، ويزعمون أنّ الأركان الأربعة لا يوجد شيء منها صرفا بل هي مختلطة من تلك الطبائع ومن سائر الطبائع النوعية . وإنّما سمّي بالغالب الظاهر منها ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز منها ما كان كامنا فيها فيغلب ويظهر في الحس بعد ما كان مغلوبا غائبا عنه ، لا على أنّه حدث ، بل على أنّه برز ويكمن فيها ما كان بارزا فيصير مغلوبا وغائبا بعد