تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
جلالة السلطان إلى التردد كان إمّا من هذا القبيل وإما صدر عن مشورة بعض ذوي الآراء العوجاء ، على أن العهد بجلالته أنه ذو أذن لا تصغى إلى ما كان منه نفع للبلاد والعباد ودليل ذلك ترقي البلاد العثمانية في زمن خلافته إلى درجة لم تكن فيها من قبل مع ما يلوح من المصاعب التي هي عقبة في وجه الفلاح . * ذكرنا في العدد الأول من المجلة تشكيكنا في صدق ما ينسب إلى الأتراك من الظلم والقساوة في حق الأرمن ، ونزيد القراء الآن أن كل ما ذكر من هذا القبيل إنما كان اختلاقاً وإن تكن الجرائد التي ذكرته استندت في ما كتبت إلى قول مكاتبين ادعوا أنهم شهدوا كل ذلك بأعينهم ، فيالله من ذوي الكذب الذين بأخبارهم هذه يفرقون بين المسيحيين والمسلمين وربّما أدت الأمور إلى وقوع مثل هذه الحوادث على مرّ الأيام على الضغناء وتمكن ذات البين . * كثيراً ما أشير إلى أن الحوادث الأجنبية عموماً ما يتعلق منها بالشرق خصوصاً لما قد أغمض الإنجليزي عنه عين الحث مع ما هي عليه من الأهمية ، ولا غرو إذا كانت المسائل الداخلية هي التي شغل بها قلبه وأمدت إليها أبحاثه ، فهي حيثما انقلب نصب عينيه وكيفما توجه عثر بها أو بنتائجها إلا أنه من أكبر العار على الأمة إذا أغضى عن الأحوال الخارجية وحجب مجراها عن قوم لا سبيل لهم إلى معرفتها إلا إذا لقنوها ممن يدأبون في إدارتها ويبحثون في دورانها . * ولما كانت بريطانيا من الدول الفاتحة التي امتدت صولتها وأحكامها إلى أكناف العمورة ، كان من الواجب إعطاء هذا المقام حقه وإيقاف كل من يهمه معرفة ذلك على ما يتعلق به من الأمور والخطوب . أما السبب في تغافل عامة الأمة عن الحوادث الأجنبية فليس بناتج عن جهل منهم أو عدم ميل إلى استطلاع أخبار تلك الديار التي ناخت لهم وآختهم ، بل هو نتيجة سكوت لزمه ذوو الأمر والشأن في أمور هكذا مؤثرين الوقوف في المنابر والتشدق بالآراء التي لا طائل تحتها ولا منفعة وراءها فيما لو قوبلت بالصالح الناجم عن المسائل الخارجية التي قلما يذكرها ذاكر وما ذكر منها كان نزرا قليلًا وغايته مخصوصة في أماكن ليست من الأهمية إلا على الثانوي منها .
ضياء الخافقين — صفحة 229 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني