أسطول إيطالي قصد التحية والتهنئة ، وأنّ ملك اليونان عازم على إهداء النيشان . والظاهر أن الدول الأوروبية تحسب أن مجرد رؤية أساطيلها تلقي المهابة في نفوس الناس والواقع أنّ الناس هنا لا يعبأون بقدوم الأسطول ولا بذهابه وإنما يذكرونه من باب التحدث بأخبار النهار . الشكوى هنا عامّة من هبوط أسعار القطن ، ووقوف حركة الأشغال والمناظرة بين إنجلترا وفرنسا في ازدياد واشتداد ، والأراجيف متكاثرة ومتواترة . الأستانة في 1 من فراير ( شباط ) 1892 ( لمكاتبنا الخصوصي ) قد هدأت ريح الفتنة وخمد سمومها وسكنت تلك القلاقل في اليمن وأخذت الراحة الآن تستتب في أنحائه بعد أن احتدم ضرامها واضطرم أوارها واستحق العُصاة أن ترفع عليهم الحكومة عصا التأديب . ولما علمت أن الأناة والحلم لا محل لهما من إعراب تلك الجملة وأن موضع الندى في موضع السيف مضرّ بالعدل والحكمة خاطبتم بلسان السيف وهو القائل غرائب الموت ارتجالا وفم المدفع وهو الناطق بآخر حجة الملوك فأسمعتهم وما كانوا بغيره يسمعون فندموا على ما فرّط منهم من خلع الطاعة الواجبة عليهم ووقف كثير منهم موقع القنوع والضراعة يسألون العفو ويلتمسون الرَّحمةَ . ولقد ظن بعض الناس أنّ في إثارة هذه الفتنة يداً أجنبية ، وهو مزعم باطل بعيد أن يأخذه في حسبانه ذو بصيرة ، لأن صاحب تلك اليد الأجنبية لا يجوز في العادة أن يقصد إهراق هذه الدماء حباً في فناء الإنسان لما يعلمه من أنه لا نجاح البتة لقوم يقفون بأجسامهم أمام قوة الحكومة المؤسسة على الترتيبات العسكرية والنظامات الحربية والآلات المحكمة والأدوات المنتظمة تحت قيادة القادة الماهرين . وإنما تولدت تلك النعرة في رؤوسهم من نفخ بعض كبرائهم الذين أضلوهم السبيل لجهالتهم وحماقتهم وضيق فكرهم عن معرفة حقيقة القوى ، فجهلوا أن الحكومة لا تؤخر أن تبعث بالجحافل والجيوش الجرّارة لأبعد مكان من
ضياء الخافقين — صفحة 128
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٨