ولابد أنّ الباب العالي أبلغ قنصله الجنرال في تريستا أن يعرب لسموا الخديو قبل مجيئه منها إلى هذه المدينة عن رغبة الحضرة السلطانية في مروره بالأستانة وزيارته لجلالة السلطان ، فأجابه الخديوي بأن أحزاني وأحزان أمي تضطرني إلى الإسراع إليها على أني أؤمل تأدية واجب الزيارة بعد ذلك . ثم تكررت الرسائل بينه وبين الصدر الأعظم في هذا المعني بعد عودته إلى هنا ويحتمل أنه يزور الحضرة الشاهانية في فصل الربيع القادم . وقد علمت أن علاقاته حسنة مع دولتي إنجلترا وفرنسا ، فقد أعرب لرجال الإنجليز عما في ضميره من الشكر الخالص لهم والقثة التامّة بهم وأمل أن يكونوا له سنداً وعوناً كما كانوا للمرحوم والده من قبله . ولا ريب عندي أنّ علاقات السير أفلن بارنج قنصل جنرال إنجلترا ووكيلها السياسي هي معه كما كانت مع والده وأنه يشاوره في مهام أموره كما كان أبوه يشاوره من قبله . ولم يتكدر كأس الصفاء بينه وبين فرنسا حتى الآن إلا إذا صح ما سمعته منذ يومين وهو أنه طلب من قنصل جنرال فرنسا ووكيلها السياسي المركيز رفرسو أن يقنع حكومته بالموافقة على أن تستعمل الحكومة المصريّة الأموال التي اقتصدتها بتحويل ديونها فرفضت الحكومة الفرنسيّة ذلك وقالت إني لا أوافق عليه ما لم تعيّن إنجلترا يوماً للخروج من مصر . ولمّا كانت مصالح إنجلترا وفرنسا على طرفي نقيض في هذا القطر فلا أرى كيف يستطيع سمّو الخديوي أن يرضيهما كلتيهما . وقد ترجح ميله إلى إنجلترا منذ الآن ، فلا يمضي زمان طويل حتّى يمسي مع فرنسا كما كان أبوه قبله . ولا جرم أن مركب الخديوية المصرية مركب خشن ولا أظن أنّ لهُ مثيلًا في المصاعب والمتاعب إلّاأن يكون مركز السلطنة العثمانية في معاملة الدول الأوروبية . وقد تسابقت أساطيل الدول في هذه الأيام إلى تقديم التهاني والنياشين من دولها إلى سمّو الخديوي الحالي في الظاهر وإلى التهويل بصولتها وإقناع مصر بسطوتها في الباطن ، فإن الأسطول الإنجليزي كان ينتظر قدوم الخديوي قبل وصوله إلى الإسكندرية فحيّاه وهنّأ وانثنى راجعاً . وبعد أيّام حضر أسطول روسي وأسطول فرنسي إلى الإسكندرية ثم أتي أميراهما العاصمة وأهدت فرنسا نيشانها باحتفال عظيم . ولم يبرح الأسطولان مياه الإسكندرية حتى جاءتنا الأنباء بقدوم
ضياء الخافقين — صفحة 127
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٧