إنجلترا على تعيين الوقت الذي تنجلي فيه عساكرها عن مصر لتتأيّد بذلك سيادة الدولة العليّة على القطر المصري ، فإنّ هذا الكلام لا يعيره جلالة الخليفة أذناً واعية ، ولا يلتفت إليه لأنه يعلم أنه الاحتلال الإنجليزي ما أثّر ولن يؤثر ولو طاعت مدّته على سيادة الدولة بشيء قّط وأن تعيين وقت خروج الإنجليز من مصر أمر فرعي لا نسبة بينه وبين إرسال الفرمان خصوصاً وقد ثبت لدى جلالته أنّ الجناب الخديوي فضلا عن كونه من أصدق الصادقين لمقام الخلافة العظمى فإنه متذرع بالحزم والحكمة وحسن التدبير والثبات . * لما علم الإيرانيّون أن حكومتهم قد أصرّت على تنفيذ قضية حصر التنباك اجتمع جمّ غفير من تجارهم وأفرادهم القاطنين بالأستانة وجاءوا إلى السفارة الإيرانية يريدون إخراج السفير وإهانته ، غير أن ذلك السفير كان قد أحس بالأمر فالتمس من الحكومة العثمانية أن تحفظه من هذا الشرّ بقوّتها المسلحة ، فأرسلت إليه قوة عسكرية حالت بينه وبين من يريدون الإيقاع به وبقيت تلك القوّة تحرس السفير والسفارة إلى أن انتهت مسألة التنباك على ما انتهت عليه مما شاع أمره وذاع ، إلا أن الإيرانيين عرفوا بعد ذلك أن السفير قد حقد على رؤسائهم الذين أسسوا هذه الحركة وجمعوا ضدّه الجموع وأنّه عزم على اغتيالهم واحداً بعد واحد ، فكتبوا عريضة عمومية أرسلوها في هذه الأيام إلى حضرة الشاه يطلبون بها عزل السفير المذكور ويحذرون الشاه من وخامة عواقب الامتناع من عزله . * التمس إسماعيل باشا - الخديوي السابق - بواسطة بعض أصدقائه من رجال المابين أن يأذن جلالة أمير المؤمنين بقراءة الفرمان السلطاني المؤذن بتوجيه الخديوية إلى حضرة عباس باشا في بيته الكائن على ساحل البوغاز قبل إرساله إلى مصر ليحوز بذلك شرفاً وسروراً يهوّنان عليه ما ألم به من الحزن الشديد بسبب وفاة نجله توفيق باشا ، إلا أنّ جلالة السلطان الأعظم علم بقوة ذكائه وحدّة فكره ما وراء هذا الأمر من المقاصد التي يراد التوصل به إليها فلم يجب ذلك الالتماس .
ضياء الخافقين — صفحة 131
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٣١