طرق الشهوات الخسيسة الحيوانية فلا يهتم إلا بالمأكل والمشارب والتفنن فيها ولايسعى إلا لتزيين الملابس وتشييد المساكن لا يدرك اللذائذ العقلية ولايتطلبها ولا يسعى في تحصيلها بل ينكرها ويسخر ويهزأ بمن يجتهد لنيلها والوصول إليها ولا يعقل الفضائل الحقيقية فيميل إلى التحلي بها ولايفقه الرذائل فيجنح عنها ولا يشتاق إلى المحامد الحسنة فينزع إليها . وهذا القسم وان كان على صورة الانسان إلا أنه في الحقيقة من البهم والعجماوات بل أحظ منها منزلة فان حيواناً ما من الحيوانات لم يهمل شيئاً مما أودع الله فيه من الخواص التي تنادي به إلى كماله الواجب له بخلاف هذا القسم من الانسان فإنه قد أهمل أشرف خواصه وهي خاصة العقل التي بها يمتاز عن غيره من أصناف الحيوانات وقد ذهب عليه ان المأكل والمشرب والمسكن انما هي مقاصد بالتبع لا بالذات يرام نيلها لاستبقاء الحياة كي يكتسب بها المعارف العقلية والملكات الفاضلة . والقسم الثاني هو الذي يبتغي لذة أخرى فوق اللذائذ الجسمانية بل كثيراً ما يكف نفسه عن اللذائذ الحسية ويغادرها رغبة في استحصال تلك اللذة وهو ينقسم إلى قسمين أحدهما السلاطين والأمراء وذوو المناصب والرتب . فمن هؤلاء من يتقشف في معيشته مأكلًا ومشرباً وملبساً ويصرف فكرته أثناء الليل وأطراف النهار ويتجافى عن مهاد الراحة والدعة إلى وهاد التعب والمشقة ويتباعد عن السكون والطمأنينة إلى الاضطراب والحركة .
بل قد يقتصر من لوازم حياته على الضروريات التي لا يمكن التعيش إلا بها ولا يبالي بفقد ما عداها من الحاجيات والكماليات فهو بالحقيقة معذب الجسم مؤلم البدن يحمل نفسه على تحمل كل ذلك سعياً في توسيع الممالك وفتح البلدان وقهر السلاطين واستحصال المراتب العالية والمناصب السامية ليمكن بذلك هيبته من القلوب وعظمته في النفوس وينال من الناس محمدة وثناء ويكون ذلك غاية لذاته ومنتهى مطلوبه ولا يعد ما سواه لذة . وهؤلاء وان طلبوا لذة روحانية إلا انهم راموها من غير وجهها وأتوها من غير بابها فان أعمالهم هذه لا توجب توقيرهم من النفوس ولاانطلاق الألسنة بالثناء عليهم خصوصاً عند ذوي العقول والبصائر لما انه لم يترتب عليها فائدة في العالم
الرسائل والمقالات — صفحة 90
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٩٠