تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الأذهان لا يطلع عليها إلا المتوغلون في قراءة التواريخ وسير الأمم واما فيثاغوروس وسقراط وأرسطو وأفلاطون وبرزجمهر وجاماسب فلا تزال الأنفس رطبة بذكراهم ناطقة بفضائلهم ومزاياهم والنفوس معترفة بعوارفهم ومذعنة بعظمتهم وان هؤلاء العظماء الفضلاء من الشرقيين والغربيين في الأزمان الغابرة والأوقات الحاصرة يحتلون جميعهم من الشرف مكانا عليا واستحقاقهم للمحمدة الحقة والثناء الخالص يتفاوتون فيهما على حسب تفاوتهم فيما حازوه من الفضائل وما ترتب على مؤلفاتهم ومصنفاتهم ومخترعاتهم من الآثار والفوائد فمن كان منهم في المعارف أوسع دائرة وبالآثار أعم فائدة وأتى من الأعمال ما يقيم نظام الهيئة الاجتماعية لنوع البشر كان أحق بالمدح وأجدر بالثناء فيجب على كل من وضع قدمه في أول درجات الانسانية أن يقدم له الشكر والثناء على قدر طاقته قياماً بأداء الحق واستنهاضاً للنفوس الحاملة لأن تنال ذاك المقام الأسمى والشرف الأعلى . ولهذا رأيت من الفرض علي أداء الشكر أصالة عن نفسي ونيابة عن كل عارف باللغة العربية الشريفة أن أنشر عطر الثناء على حضرة العالم الفاضل المتبحر بطرس أفندي البستاني بما أودعه في مؤلفه « دائرة المعارف » من الفوائد الجليلة والمنافع العميمة التي قلد بمنتها أعناقنا قائلا ان هذا المؤلف الفاضل فضلا عن سائر مؤلفاته كمحيط المحيط وقطر المحيط وغيرهما قد أتى لنا بكتاب دائرة المعارف محيطاً بجميع ما يحتاج إليه الانسان في معاشه ومعاده إذ قد حوى جميع التواريخ من سير الأمم والسلاطين وأخبار الأنبياء والحكماء والقديسين وجغرافية البلاد وعلوم الطبيعة والكيميا والنباتات والحيوانات والحساب والجبر والهندسة والفلك وغير ذلك من الفنون الجلية فمن وهبه الله أدنى عقل غريزي وكان له أقل إلمام بمبادىء العلوم فله أن يستغني بهذا المؤلف عن تجشم الجلوس بين أيدي الأساتذة لأن صعوبة العلوم بصعوبة الوقوف على اصطلاحاتها وهذا الكتاب قد كشف حجاب الخفاء عن جميع الاصطلاحات بأوضح بيان وألطف عبارة وأرق إشارة غير انني مع ذلك لا أتمالك ان أظهر أسفي من أن هذا المؤلف لم يبرز بتمامه في عالم الوجود ولست أتوهم انه من فتور في همة المؤلف الفاضل ولكنه لقصور في رغبة الشرقيين فنوجه إليهم