بسبب الحرب المجرمة التي أضرمتها . وفي اليوم الذي يتسنى فيه لأوروبا أن ترى كيف يهزأون بها في مصر ويضحكون من سمو مصادقتها ، فحينئذ لا يكون لها أن تسأل أو تتذكر من هي المتشكية ومن أي شيء تتشكى . وعاجلا أم أجلا ، فان أوروبا ستستيقظ ذات يوم لتبلغ انكلترا أنها ليست مادة لسخريتها . ولكن ثمة يقظة أخرى سابقة ، حيث تكون نتائجها مخيفة للإمبراطورية البريطانية ، وأقصد بها يقظة الهند . أنا لا أعتقد اني أبالغ في قولي أن خشونة تدخل انكلترا في مصر قد أفقدتها ، في لحظة ، كل ما نالته عبر براعة رجال الدولة عندها خلال سنوات طويلة ، من ميل وثقة الهنود . لقد أصبحت انكلترا ، الآن ، موضع بغض عميق من قبل الهنود المسلمين ، السنة منهم ، والشيعة . وسواء جاء ذلك بالغريزة أو عبر تحذير ممن لهم معرفة بالهند ، فالمسلمون الهنود قد اقتنعوا الآن ان هدف الانكليز من الاستيلاء على مصر ، هو في الدرجة الأولى للتحضير من أجل فتح الحجاز ومكة . وهم يعتقدون جميعاً ان الانكليز ، في حال وضع يدهم على مهد ومركز الاسلامية ، سيتوفر لهم عامل قوي من أجل القضاء على هذا الدين . ذلك أنه من المعروف ان لدى عامة الهنود فكرة عن انكلترا مختلفة عن فكرتهم إزاء فرنسا أو روسيا مثلا ، وهي ان الأولى تطلب منهم إضافة إلى الاتاوات والضرائب حيث تحاول استمالتهم إلىالديانة المسيحية . والذي يعرف الشرقيين ، واهتمامهم القلق ، عندما يهددون باعتقادهم الديني . . . يتوقع حدوث كل شيء . لقد سافرت إلى الهند خلال الحملة العسكرية الأخيرة لمصر . هناك ، لم ألتق مسلماً واحدا ، إلا وكلمني عن هذه الأحداث بقلق وألم عميقين . الجميع قالوا لي : « يجب أن نتضرع الآن حتى تسرع روسيا في أخذ الهند من الانكليز ، وتقلب هنا حكومتهم الشرهة . . . حيث ، بخلاف ذلك ، ستلاقي الاسلامية ، قريبأ ، بينهم من هم أكثر المضطهدين المبغضين . ان ارسالياتهم تريد أن تعمل منا مسيحيين ، بأي ثمن » . يجب الاعتراف ان ما تنشره في تلك الحقبة جريدة « الأخبار » الهندية في لاهور ، ليس بمقدوره أن يهدىء من تلك التصورات . كانت الأخبار تنشر ، من دون
الرسائل والمقالات — صفحة 73
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٧٣