ان مهدّ الطرق ومكنّ كلمته أباح للعرب ما كان من عوائدهم موافقاً لكلمة التوحيد واقرّ اليهود على دينهم والنصارى على تعظيم المسيح وأمِّه وقالانالمسيح منروحالله وان مريم أحصنت فرجها ، فما كانت تعتقده الروحانيون في احصان مريم مأخوذ من الاسلام . ولما رأى أن النصارى تكره بقية الأديان أباح حبها وقال إن اختلافها لم يكن الا بإرادة الله وفي القرآن : « ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدةً . » وقال تعالى : « ولا تجادلوا اهلالكتاب الا بالتي هي أحسن وقولوا آمنا بالذي انزل الينا وانزل إليكم وألهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين اتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا الاالكافرون » ، فصح على ذلك ان دين الاسلام يقبل العوائد المتقدمة ويقبل التأويل لموافقته للعلوم المتأخرة . فان الأقدمين كانوا يعتقدون عدم ادراك امرالروح وذلك موافق « ليسئلونك عنالروح قل الروح من امر ربي » ولم يخل شئ من احكام الاسلام عن موافقته لحكم عقلية كتحريم النبيذ وبعض اللحوم والميسر لثبوت ضررها بالتجربة . وحكم الوضوء هذا امر صحي وقال بعض المؤلفين الطاغين ان دين الاسلام اشتمل على ما كان في دين النصرانية من الأمور الموافقة الشرع والطبع وكذلك أغلب المؤلفين النصارى سلموا للعرب في التمدن وعظموه على أن التمدن لا ينسب للعرب بل للكتاب والسنة وورد في الحديث :
« اطلب العلم ولو بالصين » ، وقال ايضاً : « عظّموا من علّمكم كلمة كتعظيم آبائكم » . وسئل النبي صلىالله عليه وسلم لمن الحكم ، فسكتوا فقال لاعلمكم . فكان هذا الحديث وأمثاله موجبا لازديار الرغبة فيالعلم ونشره معالتمدن في البلاد المتوحشة حتى ظهرت الألفة بين سائر الناس وظهرت المعارف في بلاد الأكراد وغرناطة وسبته والقيروان من اعمال كسرى الأندلس ثم بدمشق والعراق والموصل وبغداد وأصفهان وبخارى وسمرقند والهرات وقابول وكندهار ودهلي من بلاد الهند وأشرقت شموس العلم بالاسلام في سائر النواحي وكانت بلاد النصرانية وقتئذ من الجهل في ظلمات بعضها فوق بعض ومن اطلّع على
الرسائل والمقالات — صفحة 49
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٤٩