باريس إصدار صحيفته « أبو نظارة » . وكان الآخر عمل مترجماً في بيروت ودمشق والآستانة ثم اختير نائباً عن سورية في أول برلمان عثماني عام 1876 م . فلما ألغى السلطان عبد الحميد البرلمان بعد قليل ، هرب غانم ، بعد مطارته إلى مصر ، حيث أصدر أول كتاب في العربية عن الاقتصاد السياسي عام 1879 م . ولكن سرعان ما شدَّ رحاله إلى باريس حيث أقام وتجنَّس بالجنسية الفرنسية ، وأصدر صحيفة « البصير » عام 1881 م بتشجيع الحكومة الفرنسية ودعمها . ولما توقفت هذه الصحيفة المعادية للعثمانيين والاءِنكليز عام 1883 م ، ساهم غانم في بعض الصحف الفرنسية الأخرى وأهمها « جورنال دي ديبا » ( ) أي « صحيفة المناظرات » التي نشرت رد الأفغاني على رينان » [ 1 ] . وثمة مَن يرجح من الذين ترجموا لحياة الأفغاني أنه كان على اتصال مستمر مع هذين الرجلين ، خلال وجوده في الهند ، وقد أقنعهما بتسهيل وصوله إلى باريس والاستحصال له على تأشيرة دخول وذلك لأجل متابعة حملته ، وبالتعاون معهما ، على الانكليز والعثمانيين . هذا شيء ، أما الشيء الآخر الذي كان وراء طموحه للاستقرار في باريس فهو أن العاصمة الفرنسية كانت على صلة بأهل الشرق عموماً والشرق العربي الإِسلامي على وجه الخصوص . وقد وجَّه الأفغاني ، وهو في طريقه إلى باريس ، رسالة إلى رئيس وزراء مصر مصطفى باشا يتّضح لنا فيها مقدار المعاناة التي كان ينوء تحتها الأفغاني . ومما جاء في الرسالة : « . . . فلما رأيت أن المصائب كل يوم تكشِّر عليَّ عن أنيابها ، وأن البلايا تفتح كل ساعة بابها ، تفكَّرت بالرزايا التي جلَبَتها عليّ الغباوة والقسوة وتروَّيت في أمري . وعلمت أني لو أذهب إلى بلدي وفي العين قذى ، وفي الحلق شجى ، وفي الكبد أوار ، وفي القلب نار ، مما أصابني ، لا أجد بين أهله ( . . . ) مَن إذا قصصتُ قصتي وكشفت عن عمتي يئن عليَّ ويتوجع لي ويأسف على مصابي ( . . . ) فعزمت أن أذهب ، وإن كنت صفر اليدين خالي الراحتين ، إلى بلاد فيها عقول صافية وآذان واعية وقلوب شفيقة وأفئدة رفيقة ، حتى أقص عليهم ما يجري على ابن آدم في الشرق ، وأخمد النار
هامش
[ 1 ] . الأزمنة ، المجلد الأول ، العدد 6 ، دراسة بعنوان « جمال الدين الأفغاني في رده على أرنست رينان » ، علي شلش ، أيلول / تشرين الأول ، 1987 م ، ص 50 .