مير جعفر ، فيفعلوا في هذا فعلهم في البلاد الهندية . ولاغرو في ذلك فإنه قد سبقهم إلى مثله أسلافهم من قبل . وإنما العَجَب أن يصدر هذا الفعل من الذين رفعوا لواء الحرية ، ونادوا بأعلى صوتهم بفك رقاب الأمم عن العبودية ، كأنهم عن إنعزالهم ما كانوا يحامون عن حرية الأمم ، إلّا لأن يأخذوا زمام الحكومة بأيديهم ، فجعلوا المحاماة عن الحق آلة للوصول إلى باطلهم ، أو عموا عن معرفته بعدما استقروا على منصة الحكم ، واستبدوا بالأمر ، كما هو دَأْبُ كل من لم يخلص عقله عن شْوب الهوى واتباع العادات . بل يمكن أن يقال إن هؤلاء في حرصهم على استلاب حقوق الأمم مع دعوى حماية الحرية عجزوا أن يلبسوا باطلهم بلباس الحق ، وأن يقيموا دليلا سفسطيا على مداخلتهم في القطر المصري ، حتى وقعوا في المتناقضات وأتوا بالمتضادات . فإنهم رأوا وجوب الحرية على المصريين لطلبهم عرض ميزانية المراقبين على مجلس النواب ، مستدلين بأن هذا إجحاف بحقوق المراقبين ونقض للعهود المبرمة بين الحكومة الخديوية وبين الحكومتين الفرنساوية والانكليزية في أمر المراقبة . ثم إنهم حرصا على استملاك مصر رفعوا المراقبين بلااستشارة من الحكومة الفرنسوية ولاموافقة منها ، وتشبثوا فيه بأمر الخديو ، وطلب شريف باشا . ولاشك أنهما لم ينطقا إلّا بمالقنوهما مما يؤسسون عليه أساس تملكهم . متى كانت الحكومة الانكليزية تصغى إلى الخديو وتأتمر بأوامر شريف باشا ، حتى يظن أن رفع المراقبين كان مبنيا على مجرد الامتثال والائتمار لاغير ؟ فياله من برهان ما أدحضه ، ومن دليل ما أضعفه ، ومن عذر ما أنكره ! ثم إنهم هم الذين هتكوا حقوق الأمم ، وأوجبوا العطلة في تجارتها بإقامة الحرب في ترعة السويس . والآن ، إغفالًا للدول ، وتسكيناً لجأشها ، تراهم يشكون من وقوع الخلل في التجارة أيام الحرب لشَغْلهم الترعة بسفنهم الحربية ، بأمر الخديو على حسب دعواهم ، فكأنهم يشكون من أنفسهم ، ويسخرون بأقوالهم هذه من عقول الأمم ، ويتلاعبون بالخديو ورجاله لاستلاب ملكه . وليت أن صدرهذا الاجحاف بحقوق المصريين عموما ، وحقوق الخديو خصوصا ، من الحزب المحافظ ، حتى لا يقال أنه لا يوجد في الانكليز حزب يحامي عن الحرية ، ويدافع عن حقوق الأمم . وما تظاهر بعض رجالها بهذا الاسم إلَّا رياءً ،
الرسائل والمقالات — صفحة 120
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٠