أنظر إلى الحزب الحر [ 1 ] في الحكومة الانكليزية كيف كانوا يحامون عن حرية الأمم ، ويحثون الدول على إطلاق ربق العبودية عن الشعوب ، ويدافعون عن الأيرلنديين ، ويجاهرون بذمائهم الحزب المحافظ ، ويذكرون شنائع أعمالهم في حرصهم على الفتوحات عند اعتزالهم عن الحكم . وكانوا ينددون على دزرائيلي في إقدامه على حرب الأفغانيين ، قائلين له إن شيرعلي خان [ 2 ] حر في بلاده ، له أن يقبل سفير الروس ويرفض سفير الانكليز ، وليس لأحد أن يعارضه في أمره هذا ، مع أنه كان لدرزائيلي أن يقيم الحجة عليهم قائلا إن رفض شير علي لسفير الانكليز واقتباله لسفير الروس - وقد كان مصادقا لنا ومعاهدا إيانا - دليل على اتفاقه مع الروسية ، ومحالفته لها ، فيجب علينا أن نتدارك هذا الامر قبل ظهور نتائجه الوخيمة كي لا نجلب بأيدينا مضرة علىالبلاد الهندية . ولما آل الأمر إليهم ، وأخذوا زمام الحكم بأيديهم ، ماحرروابلادا ، ولا أعتقوا عباداً ولا أطلقوا رقابا ، بل صاروا على الأممأشد منالحزب المحافظ ، وزادوا فيالتحريج والتضييق وأحكموا حلق العبودية ، وشددوا ربق الرقبة ، وضيقوا المجال على النفوس التي تهوى الحرية وتميل إليها . وها هو صراخ الأيرلنديين ينبئك عن سيرهم في ساحة سياستهم ، وسلوكهم في مذهب إدارتهم . وأعجب من كل هذا أن المصريين بأجمعهم ، ولا أستثني منهم أحداً ، أرادوا أن يضعوا في بلادهم أساس الحرية ، بتشكيل مجلس النواب ، تملصا من ربقة الاستبداد الذي يستجلب الوبال على المستبد ومن استبد عليه كليهما ، وخروجا من مضيق العبودية التي نشأت من الِّايثار والاستيثار بلا ملاحظة المنافع والمضار ، وطلبا للانخراط في سلك الأمم المتمدنة ، رجاء أن يحظوا من السعادة بما حظيت به الأمم ، واتفق معهم خديوهم لَمَّا أن رأى صدق نياتهم وإصابة رأيهم ، وأن حكومته لاتقوى إلَّا باتفاق كلمة الأمة ، وهو نتيجة المجلس الذي تسعى الأمة في تشكيله .
هامش
[ 1 ] . المقصود هو حزب الأحرار الذي تزعمه في ذلك الوقت غلادستون .
[ 2 ] . أمير أفغانستان .