11 - الحق والباطل
ما اختلف رأيان في أمر إلا كان أحدهما حقاً والآخر باطلا . إن الحق أوسع الأشياء تواصفاً ، وأجلاها برهاناً ، وأوضحها بيانا . ولقد صنف الحكماء فيه كتبا ، وبينوا سننه ، وذكروا شواهده ، وقسموه إلى أقسامه من حقوق الملل والدول والرعاة والرعايا ، وشرحوا في مصنفاتهم أن الحق قوام الاجتماعات الانسانية ، منزلية كانت أو مدنية ، وأن مدة دوام الاجتماعاتت الانسانية ، منزلية كانت أو مدنية ، وأن مدة دوام الاجتماعات وبقاء الدول بمقدار دوام الحق فيها وبقائه ، لأن بالحق يحصل التكافؤ بين القوى المجتمعة لاكتساب الأمنية والسعادة اللتين هما غاية سير الأمم في حياتهم . فإذا حصل الانحراف عنه زال التكافؤ فاضمحل الاجتماع ، ووقفت الأمم دون بلوغ غايتها . ولو تأمل البصير في زوال الأمم الغابرة لا يرى له سببا سوى الحيدان عن الحق . وان الحق مهما كان لديه من الظهور والبروز ، وسعة المجال في التواصف ، أضيق الأشياء تناصفا وتعاملا ، وأخفى الأمور عمن أراد أن يسلك مسالكه ، ويزن بميزانه أعماله وأفعاله ، لأن الحق يكون للانسان وعليه . فإذا كان عليه فحينئذ يشاب إدراكه المتبجس من محض عقله بالحاسات الطبيعية ، ويمتزج بالأوهام الناشئة عن عاداته ، فيخفى عليه محجته ، ويسلك مدحض الباطل ، ظنا منه أنه على الحق ، غيرحائد عنه ، وهذا هو السبب لاختلاف الأمم في آرائهم ومسالكهم .
ولا يعرف الحق بنفسه إلَّا من انقادت طبيعته لعقله ، وأزال ناشئة العادات عن لوح ضميره ، فصار عقلًا صِرْفاً ، يخضع لحكمه ويهتدي بنوره ، لا يجد الباطل فيه سبيلا ، ولا يضل عن رشده أبداً . وقليل من يتحقق في الانسان بهذه الصفة وان كانت حماة الحق كثيرة .