تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
ولما رأى الحزب الحر في الحكومة الانكليزية ميل المصريين إلى الحرية ، وسيرهم إليها ، وسعيهم في طلب أسبابها ، ماوَنَوا أن جبهوهم بالرد ، وعارضوهم بالعنف ، ودافعوهم عن الوصول إليها ، وأوجبوا الشقاق بين الراعي والراعية ، علما منهم أن اتفاق كلمة المصريين لاصلاح بلادهم بالإدارة الشوروية [ 1 ] يصد الحكومة الانكليزية عن نجاحها في مقاصدها المُشِطَّة ، ويمنعها عن استملاك تلك الأقطار بمداخلتها الودادية ، كما فعلت من قبل بالممالك الهندية . وألقوا في روع الخديو ، ودسيسة منهم ، أن هذه المساعي ليست لتأسيس الحرية ونصب دعامة المدنية ، وانما هي لتغيير الحكومة واستبدالها . وساعدهم على ذلك بعض وزرائه الذي جلب إليه الجهلُ العُجْبَ بنفسه ، والاستبداد برأيه . والخديو ، لسلامة قلبه ، ظن أن هؤلاء لا يريدون إلا تشييد حكومته ، ولايبتغون إلَّا تأسيس مباني إمارته بمقاومة المعارضين ، ومصادمة المقاومين من أهل الوطن ، فأصغى إليهم ، واعتمد بكلِّه عليهم ، وجاهر أعوانه الذين كانوا يسعون في اصلاح البلاد ، ونجاح العباد ، وصون حكومته عن دخل الأجانب بالمقاطعة والمناوأة ، فاضطر أعونه لَمَّا أن رأوا حيدانه عنهم وميله إلى الذين لا يريدون إلَّا خَتْل المملكة ، واختلاسها من أيدي مالكيها ، أن يقابلوه بما قابلهم به . وبعد أن خلبوا قلب الخديو بموارباتهم ، لاحظوا ما للأمة الفرنساوية من الحقوق في تلك الأقطار ، فعلموا أن نجاحهم في مقاصدهم لا يكون إلَّا باتفاقها معهم في الرأي دون العمل ، فوجدوا منه مقتحما ، بذل جهده في إمالة آراء الأمة إليهم ، بلا تَرَوِّ ، في أن حالتها الحاضرة تمنعها من مشاركتهم في الأعمال . ثم لَمَّا علم الحزب الحرُّ في الحكومة الانكليزية أن سهام موالستهم قد أصابت ، جندوا الجنود ، وألَّبوا العساكر ، وساقوهم لفتح الديار المصرية ، متظاهرين بأن الغرض تأييد الخديو في حكومته ، ودَفْعُ المفسدين الذين يريدون خلعه ، وكأنهم أرادوا بسيرهم هذا أن يجعلوا جزيرة قبرس في البلاد العثمانية بمنزلة كلكتا ، وخلع إسماعيل باشا ونصب توفيق باش كخلع سراح الدولة من البنجالة ونصب
هامش
[ 1 ] . الصواب هو الشورية من الشورى ، ولكن صحف ذلك العهد كانت ترسم الكلمة على هذا النحو مع كثير غيرها .