إن الديانات ألقت بيننا إحَناً . . وأودعتنا أفانين العداوات . وما مثل هؤلاء إلا كمثل رجل قلد السيف لقتل الأعداء فاستعمله في قتل الأحباء . فبئس ما كانوا يفعلون . وأما ألاستبداد فهو أن تكون أمة من الأمم مقيدة بسلسلة رأي واحد من الناس لا تتحرك الابارادته ولا تفعل إلا لرضاه . فإذا كانت الأمة على هذه الصورة لزمها لا محالة أن يصرف كل منها ما أودع فيه من العقل والذكاء لمرضاة شخص واحد فيكون الكل فانياً فيه . ومن المعلوم أن الرجل الواحد ، ولو انفرد في العقل والذكاء والهمة وعلو النفس ، لا يستطيع جلب السعادة لنفسه فضلا عن جلبها لأمة كبيرة . وهاهنا يمكن لي أن أبشركم بأن قد زال عناهذا المانع بما نلناه من الحكومة الشوروية . فلم يبق إلا أن تسعوا في صيانتها وتأييدها . ولاتكتفوا بمجرد حصولها اذلا يخفى عنكم أن الحكومة هي كسائر الأجسام الطبيعية والاجتماعية . بمايطرأ عليها من التحليل . وحيث أنا شعرنا بالألم ، وعلمنا بسقوطنا في هذه المهواة ، وأن أنفسنا تميل إلى الخروج منها ، فلابد لنا من البحث عن الدواء الحقيقي لهذا الداء الحادث ، فإذا رجعنا إلى بصيرتنا النورانية وفطرتنا الأصلية علمنا بأنه لا يمكن الخروج عن هذه الخطة إلا بالسبب . فان المتحرك لا يسكن والساكن لا يتحرك إلا بالعلة . ولا أرى لخروجنا من علة سوى الغيرة . فهي المحركة للنفوس الداعية إلى المجاراة والمباراة ، والباعثة على الاهتمام والاقدار ، وعلى قدرها تأتي العزيمة وترتفع القيمة . وعلى حسب تأصلها في الأنفس وضعفها يكون صعود الأمم إلى معارج العز والثروة ، وهبوطها إلى دركات الذل والفاقة . ولاشك أن الغيرة لا تحصل إلا بحزب من الوطنيين يعلمون أن لاشرف لهم إلا بجنسهم ، ولا قوة إلّا بأمتهم ، ولافخر إلّا بوطنهم ، وأنهم إذا أرادوا تحصيل الشرف بالانتماء إلى غيرهم يكونون بمنزلة الرقعة في الثوب الجديد ، أو بمنزلة العبد الذي يفتخر بسيده . ولهذا أرجو منكم يا أيها السادة ان تقيموا حزباً يصون لوطنكم حقوقه ويحفظ عليه بهاءه . على أني لا ألومكم على انتماء بعضكم إلى الأجنبيين ،
الرسائل والمقالات — صفحة 102
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٢