فان ذلك لم يكن الافرار من الظلم وحرصا على الحقوق الانسانية والمدنية . ولكني أومل منكم ان تؤيدوا أمر الوطن وتشيدوا فيه الحكومة الشورية ليستقيم به أمر العدل والانصاف ، فلا يعود بكم من حاجة إلى حماية الأجنبي ، بل تمزقوا أوراق الانتماء ، وتذاكر الحمايات ، حتى يكون شرفكم منكم واليكم ، وحمايتكم في ظل قوانينكم ، ولا تكونوا رقعة بالية في ثوب الأجنبي الجديد . ولاشك أنكم تعلمون أن الحزب الوطني لا تحصل له القوة ، ولا يكون له البقاء ، ما لم يكن لأهل الوطن لغة جامعة ، مهذبة التراكيب ، جيدة الأساليب . فإن لم يكن لهم ذلك لا تستقر فيهم المعارف ولا تقيم بأحيائهم العلوم ، وان ذهب جماعة كثيرة منهم إلى أوروبا وتعلموا اللسان الأجنبي ، فإن معارفهم المكتسبة تكون سريعة الزوال ، ووطنهم يكون كالبلد الذي لاماء فيه ، يجلب لأهله الماء من ضواحيه ، فهو عرضة للظمأ وسوء الحال ، وأهله على شفا الاضمحلال . فإن سأل سائل : كيف يمكن بث الغيرة وانشاء الحزب الوطني واحياء اللغة ؟ قلنا إن أعظم الأسباب الموجبة لحصول هذه المزايا هو إنشاء قاعة للخطابة يقوم فيها الخطباء الألباء ، وينطقون عن الغيرة والحمية بمايبين لنا الحقوق ويعين الواجبات ، ويذكرنا بمجد آبائنا وذل أبنائنا ، ويريناحالة الأجنبيين ، وما هم عليه من القوة والثروة والمجد والسطوة ، فنعلم أسباب السقوط ووسائل الهبوط ، ويتبع ذلك إنشاء الجرائد الحرة القائمة بأمر الوطن الآخذة بأطراف الحق ، فإنها تقرِّب الأقصى باللفظ الموجز ، وتنبيء بأخبار السلف ، وتبين لنا أحوال جيراننا ، فترينا المصالح والمفاسد لنجتلب تلك ونجتنب هذه . ولاشك أنه لابد في عالم المدنية من كل منهما ، ولا يمكن البلوغ إلى غاية السعادة إلا بهما . ولا فرق بينهما إلا أن الخطابة تحرك الدم بحركة الخطيب وقوة المشافهة ، وأن الجرائد تثبت المطالب في الأذهان بإعادة النظر إلى مالا أثبت في الصحائف . ولكني أجلكم يا أيها السادت عن أن تحسبوا أنكم تنالون مزايا المدنية ، وتحوزون المعارف والعلوم ، وتستكملون أسباب التقدم والسعادة ، وتبلغون ذروة المجد والشرف ، إن كان العلم فيكم مقصوراً على الرجال . بل أعيذكم من أن تجهلوا أنه لا يمكن لنا الخروج من خطة الخسف والجهل ، ومن محبس الذل والفاقة ، ومن
الرسائل والمقالات — صفحة 103
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٠٣