المؤلف من الأعضاء والجوارح . فكما أن قوام الأعضاء ونموها يكون بالقوة الحيوية ، تقوى بازديادها وتضعف بضعفها على نسبة واحدة ، كذلك جسم الأمة لا تحصل لطبقاته القوة إلا بروحهالحيوية التي هي عبارة عن الميل إلى المعالي والشوق إلى الكمالات . وليس بخاف عنكم ما الَّم بروح الجنسية في الأمم الشرقية من الضعف والوهن المستلزم لضعف سائر الطبقات ، فلاتؤاخذوا من قام فيكم خطيبا ، إن رأيتم في صوته تهدجا وفي عباراته قلقا ، وفي معانيه اضطرابا ، فما الخطباء إلَّا من طبقات الأمة التي ألم بها الضعف بروحها الكلي فسرى إلى طبقاتها وأعضائها . ولهذا فإذا رأيتم في خطابتي نقصا ، فلابد من التجاوز عنه لكوني رجلا شرقيا . وإذ تقرر لي ذلك فإني أشرع في بيان المطلب ، فأقول : لا أريد أيها السادة أن أذكركم بمجد آبائكم الكرام ، وإنكم إمَّا أن تكونوا من أبناء المصريين أو من حفدة الفينقيين ، أو من سلالة الكلدانيين . وإن المصريين قد بلغوا من الهندسة ذروتها ، ومن الحساب غايته ، ومن المساحة قاصيتها ومن فن جَرِّ الأثقال منتهاه ، وعلَّموا اليونان الحكمة والفلسفة . بل إن شخصا واحداً منهم قد بعث في اليونان روح المعرفة وعلمهم فنَّ تدبير المنزل على حين كانوا همجا متوحشين ، وأبان لهم كيفية الزراعة والصناعة على حين كانوا يتعيشون بالصيد والقنص ، وان جل علمائهم ومعظم حكمائهم لم ينالوا الفلسفة إلا بما تعلموا في مدرسة مصر العظيمة . ولا أذكركم بالفينيقيين وأنهم وضعوا أصول الصناعة ، وخاضوا عباب البحار . وكانت إنجلترا واليونان من مستعمراتهم . ولا تزال أسماء بلاد أسبانيا وسلافينا شاهدة بأنهم رفعوا على تلك الأقطار ألوية تمدنهم ، وأن أهلها كانوا لا يعرفون الصناعة ولا التجارة . بل كانوا يقدمون لجدودكم كنوز الطبيعة ، ومعادنها الثمينة ، ليأخذوا منهم الأقمشة والآلات وسائر ما يحتاجون اليه ، وأنهم علموا اليونان الخط . وكان أعظم حكمائهم منسوبا إليهم وهو تاليس [ 1 ] الصوري . ولا أعيد ذكر الكلدانيين جدودكم الأول الذين أنشأوا صناعة النحت ، وقسموا
هامش
[ 1 ] . طاليس الفيلسوف الإغريقي ، وينسب إلى صور في لبنان .