8 - خطبة بالإسكندرية ( زيزينيا )
يا أيها السادة ويا أيتها السيدات . أرى من الواجب أولا أن أثني على الجراثيم الشريفة الشرقية التي مضت عليها الدهور ومرتالعصور ، وهي في حالة الكمون ، لمنع الموانع الخارجية وقسر القواسر الداخلية . ومع ذلك لم تفقد مزاياها العالية ، ولم تَقْدُم سجاياها السامية ، بل برزت ونمت ، فرأينا أصولها الشريفة سادة شرفوا هذا المحضر ، لاعلاء كلمة العلوم ورفع منار المعارف ، وتأييد أمر الفضل اعتقاداً أن العلم سلطان عادل حكيم ، إذا حل ببلد قوم تبعه الغنى والثروة لأنهما لا يحصلان إلا بالتجارة والزراعة التي لا تحصل إلا بالعلم ، ولزمه الطمأنينة والراحة لأنه يعين الحدود ويُبين الحقوق ، فيكون لكل من الناس خط لا يتخطاه ، وحد لا يتعداه ، ووليته الحرية لأنه يُبيِّن للانسان مقدار نفسه ، فيعرف بذلك قدر غيره ، ولا يخضع لمن يتوهم فيه السيادة خضوعا أصم ، ولا يطيع لمن يعتقد به الرئاسة طاعة عمياء ، فلا يؤخذ إلّا بالقانون ولايدين إلَّا للشريعة ، وتلته الشفقة لأنها لا تحصل إلا بأن يدرك الانسان ما أَلَّم بغيره من المصائب إدراكاً يجسِّم ذلك في خياله ، حتى كأنه يشعر بألمه . وهذا الادراك هو عين العلم ، وعلماً بأن الجهل سلطان غشوم جاهل يتبعه الفقر والفاقة ، ويواليه الارتباك والاضطراب ، ويألفه الذل والعبودية ، وتَلْزمُه القسوة والشراسة . ولذلك فإني أقدم الشكر للأفاضل الكرام الأرومات ، الشرفاء الأصول ، الذين اجتمعوا في هذا المقام لاحياء العلم الموجب لتلك المزايا ، ودفع الجهل الداعي لهذه المعاني . وثانيا ، إنه لمعلوم أن الأمة المؤلفة من طبقات الناس تماثل الشخص الواحد