تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل والمقالات — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
الفلك بالدوائر ، وعرفوا معدل الأنهار ومنطقة البروج ودائرة نصف النهار ، ووضعوا الأسطرلاب وعرفوا القطب واخترعوا الكرة ذات الحلقتين . لا أذكركم بجميع ذلك لأنكم تعلمونه علم اليقين ، ولا تخافون فيه منكرا أو معترضا ، فإن الهرمين ، والمسلات ، وأعمدة الكرنك ، تفقأ بأصابعها الدهرية أعين المعترضين الذين يرمون الشرقيين بالهمجية والنقص في الفطرة ، وإن تلول نينوى ، وأطلال صور وبعلبك ومنفيس وثيبة [ 1 ] ، ما بقيت إلا لتثير الغبار على أبصار المنكرين الذين ينظرون الينا بعين الاستخفاف والاحتقار ، وانما أريد أن أعطف نظركم إلى حالتنا الحاضرة ، فإنكم تعلمون بما حصل لنا من الانحطاط ، وما حاق بنا مِنَ الذل والهوان ، وان النوائب قد خفضت منارنا والأجانب اقتسمت ديارنا . ولا شك أن هذا حادث من الحوادث فلا بد له من علة يوجد بها . ويعدم بعدمها . وبعبارة ثانية إنه قد وضع في دائرة الوجود عوالم متعددة ، ولكل منها مركز يكون بمنزلة شمس تجذب توابعها بحبال الجذبات اللستيكية التي تدفع تارة وتجذب أخرى ، ن وترسل إليها رسل الأشعة حاملة عناصر الحياة ، وإنه قد وضع في كل نبات وفي كل حيوان من التغذية ما هو حافظ لنفسه ، ومن التوليد ما هو حافظ لنوعه . ولاشك أن ما وضع فينا من قوى الادراك لم يكن الالننال مرادنا من السعادة . فلابد أن يكون لحرماننا من تلك الأمنية مانع . وإذا سبرنا الموجودات سَبْراً فلسفياً فلا نجد لتأخرنا غير سببين أصليين ، وهما التعصب والاستبداد . فأما الأول فهو عبارة عن سوء استعمال الدين . فإنَّا إذا نظرنا بعين التأمل البصير إلى الشارعين من عهد ( مهادبو ) إلى زرودشت إلى موسى ، إلى عيسى ، إلى محمد ( صلعم ) لا نجد في شرائعهم إلا الدعوة لمعرفة مبدأ الحق ، وهو الله ، والحث على الفضائل ، وفعل الخير ، والزجر عن الرذائل والشرور . وبعبارة ثانية لانلقى بها الا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكنا إذا نظرنا إلى الكثير من الذين تبعوهم ، فإنا نراهم قد استعملوا تلك الشرائع للشقاق والنفاق ، واتخذوها وسائط لاضرام الفتن ووسائل لالقاء الإِحَن حتى أمكن للشاعر العربي أن يقول :
هامش
[ 1 ] . ثيبة هي طيبة المدينة المصرية القديمة .