الأعضاء وغاياتها ، كذلك على الطبيب الروحاني أن يكون عالماً بمنافع الأخلاق ومضارّها على طبع ما في نفس الأمر الواقع ، وكما يلزم أن يكون الطبيب شفيقاً رحيماً صادقاً أميناً ، لا ينظر إلى الدّنايا ، ولا ينحطّ إلى المقاصد السافلة ، كذلك على النصحاء والمرشدين أن يكونوا من ذوي الاستقامة والفضيلة مرتفعي الهمم ، أُولي مقاصد عالية ، لا يبيعون الفضيلة بحطام الدنيا ، ولا بالتقرّب والتزلّف إلى الأُمراء والكبراء . أُولئك هم المرشدون الحقيقيّون ، فإن رُزقت الامّة بمثلهم فبشّرها بالسعادة ، وإن رزئت بمتطبّبين [ 1 ] لا أطباء ؛ بأن صعد على منابر النصح فيها الجهلة والأغبياء ، والسفلة والأدنياء ، فأنذرها بالعناء والشقاء ، فإنّ المرشد الضالّ والنصوح الجاهل يُودع النفوس رذائل الأخلاق باسم أنّها فضائل ، ويغرس فيها جراثيم الشرّ باسم أنها أُصول الخير ، ولربما كان مقصده حسناً ولا يريد إلّاخيراً ، ولكن جهله ويعميه عن سلوك طريقه ، ويبعده عن اتخاذ وسائله ، فتقع الأرواح في الجهل المركب ، وهو شرّ من الجهل البسيط ، فإنّ ذا الثاني على باب الفضيلة لا يلبث إن فتح له أن يلجه ، وصاحب الأوّل قد بَعُد عن المقصد بمراحل ، واستتر تحت نَقْع الرذيلة ، واعتقد ذلك ظلّاً ظليلًا ، فلا يمكن العدول عمّا وقع فيه إلّا بعد مكابدة شديدة وعناء طويل ، فلا ريب كان عدم هؤلاء المرشدين خيراً من وجودهم . وكذلك إن كان خائناً أو دنيئاً ينحطّ إلى سفاسف الأُمور ، أو عُدِم الشفقة والإنسانية ، فإنّه يتّخذ النصيحة سُلّماً للوصول إلى أغراضه الفاسدة ومطالبه الذاتيّة ، فلا يبالي أوقع الأفراد في خير أو شرّ ، صفت النفوس أو تكدّرت ، ارتفعت الآداب أو انحطّت ، صحّت الأرواح أو اعتلّت ، فيكون آلة بيد الأشرار وأُولي الأهواء ، يستعملونه في فساد الأُمّة والعشيرة لقضاء أوطارهم . ألا وإنّ القائمين بأمر الإرشاد يُحصَرون في قبيلين قبيل الخطباء والوعّاظ ، وقبيل الكتبة والمصنّفين ، ومنهم أرباب الجرائد ، فإن كانوا على نحو الأوصاف
هامش
[ 1 ] في الأصل : بمطبّبين .