تنحصر . ولو تغلّب البذل لأنفق جميع ما بيده في المفيد وغير المفيد ، حتى يصبح فقيراً فلا يجد ما ينفقه في ألزم لوازمه فيهلك . وهكذا جميع الملكات الفاضلة الإنسانية ، إنّما هي واسطة لطرفين متضادّين لابدّ من ظهور أثر كلٍّ منهما على نسبة معتدلة ، وبغلبة أحدهما على الآخر يختلّ نظام الفضيلة ، ولا محالة ينهدم بيت السعادة دنيويّة كانت أو أُخروية ، ولا يسعنا المقام لتفصيل ذلك . وكما يقع العناد بتغلّب أحد الضدّين على الآخر في النفس ، يقع أيضاً بتغلّب أمر خارج عن مزاج الفضيلة ، كغلبة التربيّة الفاسدة المغذّية للعنصر الفاسد ؛ بمخالطة ذوي الملكات الرذيلة والغرائز الناقصة ، وانفعال النفس بحركاتهم وسكناتهم وتقليدها لأعمالهم ، وتقلّدها بعاداتهم ، أو باستماع إغواء ذوي الأهواء ، وتمويهات أرباب الأغراض الفاسدة الدنيئة ، المذيعين للأفكار الرديئة ، المؤيدين للعقائد الباطلة ، التي ينبعث منها سوء الاخلاق المؤدّي إلى فساد المعيشة . فللنّفوس علل وأمراض ، كما للأبدان ذلك . ومن ثمّ قد وضعت علوم التربية والتهذيب ؛ لتحفظ على النفس فضائلها ، وتردّها عليها إن اعتلّت وانحرفت عنها إلى جانب النقص والاعوجاج ، كما وُضع الطبّ ولوازمه لحفظ صحّة البدن كما بيّنّا ، فالحكماء العمليّون القائمون بأمر التربية وإلارشاد ، وبيان مفاسد الأخلاق ومنافعها ، وتحويل النفوس من حالة النقص إلى حالة الكمال ، بمنزلة الأطبّاء ، وكما لزم للطبيب أن يكون عالماً بالتاريخ الطبيعي والنباتات والحيوانات ، وعلل الأمراض وأسبابها ودرجاتها من شدّة وضعف ، كذلك يلزم للحكيم الروحاني طبيب النفوس والأرواح - إذا رقِيَ منبر الإرشاد - أن يكون عالماً بتاريخ الأُمّة التي قام بإرشاد أبنائها ، وتاريخ غيرها من الأُمم أيضاً ، وأن يكون مطّلعاً على درجات ترقّيها ودركات تدنّيها في جميع الأزمان ، وأن يسر أخلاقها بمسبار الحكمة ؛ ليعلم أسباب أمراضها النفسيّة ، ويقف على درجات الداء وتمكّنه فيهم ؛ وأنّه حديث أو قديم ، قويّ في النفوس أو ضعيف ، وما هو العلاج اللائق بكلّ صنف ، وكما أنه يجب على الطبيب البدني أن يكون على علم تامّ بمنافع
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 96
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٩٦