ومن ثَمّ وضعوا علوم النباتات والحيوانات والطبّ البشري والبيطري ؛ ليبحث في تلك العلوم عمّا به يحفظ التوازن بين البسائط التي يتركّب منها الجسم ، ويحترز من تسلّط الحوادث الخارجيّة عليه ، ويُعاد به المزاج إلى حالة الاعتدال إن خرج عنها ؛ لتتمّ حكمة اللَّه تعالى في بقاء الأنواع إلى آجالها المحدّدة بحكم الحكمة الأزليّة . فالنباتيّون يعيّنون الأراضي القابلة للزراعة والغراسة لكلّ نبات ، ويحدّدون الفصول الملائم هواؤها لنموّه ، ويوضّحون موادّ التسميد ، وغير ذلك ممّا لابدّ منه في تربية النباتات . وكذلك الأطبّاء يبحثون عن موادّ الأغذية ، وماذا يجب أن يتّخذ منها لكلّ مزاج ؟ ومضارّ الأهوية ومنافعها ، ويقفون بتجاربهم الصادقة على الأدوية النافعة لردّ البدن إلى حالة الصحّة ، وآلات العلاج المفيدة حتى تحفظ بذلك على البدن صحّته ، ويرجع إليها إن انحرف عنها . ولكن لا يكون الطبيب طبيباً يترتّب عليه غايته ، حتى يكون على علم بالتاريخ الطبيعي وعلوم النباتات ؛ ليعلم خواصّها ، ويميز نافعها من ضارّها ، وعلى بصيرة من اختلاف الأمزجة ومقتضياتها ، وما يلائم كلّ واحد على حسبه ، وخبيراً بعلل الأمراض وأسبابها وكيفيّاتها من شدّة وضعف ، وتاريخها من قدم وحدوث ؛ حتّى يعالج كلّاً بما يليق به . فإن جهل من ذلك شيئاً كان فقده خيراً من وجوده ؛ فإنّ الطبيب الجاهل رسول ملك الموت ؛ إذ بجهله يستعمل من الأدوية ما عساه يهيج المرض ، ويعيّن من الأغذية ما يساعده على قسوته ، فيفضي ذلك إلى هلاك المريض ، وقد كان بدونه محتمل الشفاء بمقاومة الطبيعة لولا مساعدة الجاهل وعونه . وكما يلزم للطبيب أن يكون عالماً بجميع ما قدّمنا ، يجب أن يكون شفيقاً رحيماً صادقاً أميناً ، لا يكون قُصارى عمله ما يناله من جُعل المعالجة ، فإنّه إن كان قَسِيّاً عديم الرأفة ، أو كان خائناً ، فلربّما صار آلة في أيدي أعداء المريض ، يستعملونه لهلاكه بإلقائه السمّ في الأدوية مثلًا ، أو إهماله في العلاج بما يقدّمونه إليه من
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 94
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٩٤