العرض الفاني ، وكذلك إن قصر همّه على ما ينال من الدينار والدرهم ، فإنه إن كان على تلك الصفة لم يكترث بحال المريض ما دام يُوفى أجر عمله ، فإن هلك فقد نال ما يزيد من مكافأته ، وإن امتدّ المرض زاد الإيراد بتوارد الأوقات ، فعدمه أيضاً خير من وجوده . وكما أنّ روح الحياة البدني إنّما يستقرّ حيث تجتمع أُصول متضاربة ، ينشأ من تغالبها مزاج معتدل كامل ، وبغلبة أحدها يفسد التركيب ويذهب الروح الحيوي من حيث أتى ، كذلك روح الكمال الإنساني إنّما يكون حيث تجتمع أخلاق متضادّة وملكات متخالفة ، يقوم من تضادّها وتخالفها حقيقة الفضيلة المعتدلة التي هي ركن لبيت سعادة الإنسان ، وعليها مدار حياته الفاضلة ، فإن تغلّب أحد الخلقين على الآخر ، فسد نظام الفضيلة ، واستحكمت الرذيلة ، وبات شقيّاً سيّئ الحال ، وسقط في مهواة التعب والعناء ، المفضيين إلى الحين والهلاك . ألا ترى أنّ النفس الإنسانيّة لابدّ لها من خُلُق الجرأة وخُلُق المخافة ، وهما متضادّان ، ومن مقاومتهما على وجه معتدل بحيث يستعمل كلّاً فيما يليق به من المواقع ، تتحقّق الشجاعة ، التي لو فقدت بتغلّب المخافة ، لكان فاقدها عرضة لتعدّي جميع الحيوانات عليه ، ولم يستطع عن نفسه دفاعاً ، وكانت حياته تحت خطر يتهدّده في جميع أوقاته .
ولو أنّ الجرأة تغلّبت على المخافة حتّى ذهب أثرها ، كانت تهوّراً وعدم اكتراث بالمهالك لحقّ ولغير حقّ ؛ بدون تبصر ولا مراعاة حكمة ، فيلقي بروحه في مهاوي الهلكة بلا طائل يعود على نفسه أو وطنه . وكذلك لابدّ من خُلق الإمساك والبذل ، وهما متخالفان متعارضان ، يتقوّم من تغالبهما في النفس فضيلة السخاء وهي البذل في موضع الاستحقاق - إذا اعتدلا . ولو أنّ الإمساك تغلّب على ضدّه حتى اضمحلّ فيه لأمسك عن قضاء لوازمه الضرورية ، فلا يأتي باللائق من الأغذية والألبسة مثلًا ، فيضرّ ببدنه ، ولم يُوفِ حقوق [ 1 ] مشاركيه في المعيشة كزوجته وولده ، أو في التعامل كجيرانه وأهل بلده ، فيقع الشقاق بينهم ، ويتأدّى به إلى شقاء دائم ، وغير ذلك من مفاسد البخل التي لا
هامش
[ 1 ] في الأصل : « بحقوق » ، والصحيح ما أثبتناه .