الشفقة ؟ ! أين أنتم يا أعلام المروءة ، وشوامخ القوة ؟ ! أين أنتم يا آل النجدة ، وغوث المضيم يوم الشدّة ؟ أين أنتم يا خير أُمّة أُخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ؟ ! أين أنتم أيّها الأمجاد الأنجاد ، القوّامون بالقسط ، الآخذون بالعدل ، الناطقون بالحكمة ، المؤسّسون لبناء الأمّة ؟ ! ألا تنظرون من خلال قبوركم إلى ما أتاه خلفكم من بعدكم ، وما أصاب أبناءكم ومن ينتحل نحلتكم ، انحرفوا عن سُنّتكم ، وجاروا عن طريقكم ، فضلّوا عن سبيلكم ، وتفرّقوا فرقاً وأشياعاً ، حتى أصبحوا من الضعف على حال تذوب لها القلوب أسفا ، وتحترق الأكباد حزناً ، أضحوا فريسة للأُمم الأجنبيّة ، لا يستطيعون ذوداً عن حوضهم ، ولا دفاعاً عن حوزتهم ، ألا يصيح من برازخكم صائح منكم ينبّه الغافل ، ويوقظ النائم ، ويهدي الضالّ إلى سواء السبيل ! ( إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِليهِ راجِعونَ ) . أقول - وربما لا أخشى واهماً ينازعني فيما أقول - : إنه من بداية تاريخ الاجتماع البشري إلى اليوم ما وجد فاتح عظيم ، ولا محارب شهير ، نبت في أوسط الطبقات ، ثمّ رقى بهمّته إلى أعلى الدرجات ، فذُلّلت له الصعاب ، وخضعت الرقاب ، وبلغ من بسطة الملك ما يدعو إلى العجب ، ويبعث الفكر للطلب السبب ، إلّا كان معتقداً بالقضاء والقدر ؛ سبحان اللَّه ، الإنسان حريص على حياته ، شحيح بوجوده على مقتضى الفطرة والجبلّة ، فما الذي يهوّن عليه اقتحام المخاطر ، وخوض المهالك ، ومصارعة المنايا ، إلّا الاعتقاد بالقضاء والقدر ، وركون قلبه إلى أن المقدّر كائن ، ولا أثر لهول المظاهر . أثبتت لنا التواريخ أنّ كورش الفارسي « كيخسرو » - وهو أوّل فاتح يُعرف في تاريخ الأقدمين - ما تسنّى له الظفر في فتوحاته الواسعة ، إلّا لأنّه كان معتقداً بالقضاء والقدر ، فكان لهذا الاعتقاد لا يهوله هول ، ولا توهِن عزيمته شدّة ، وأنّ إسكندر الأكبر اليوناني كان ممّن رسخ في نفوسهم هذا العقيدة الجليلة ، وجنكيز خان التتري صاحب الفتوحات المشهورة كان من أرباب هذا الاعتقاد ، بل كان نابليون الأوّل بونابرت الفرنساوي من أشدّ الناس تمسّكاً بعقيدة القضاء ، وهي التي كانت تدفعه بعساكره القليلة على الجماهير الكثيرة ، فيتهيّأ له الظفر ، وينال بُغيته من النصر .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 87
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٧