فنعم الاعتقاد الذي يطهّر النفوس الإنسانيّة من رذيلة الجبن ، وهو أوّل عائق للمتدنّس به عن بلوغ كماله في طبقته أيّاً كانت ، نعم إننا لا ننكر أنّ هذه العقيدة قد خالطها في نفوس بعض العامّة من المسلمين شوائب من عقيدة الجبر ، وربما كان هذا سبباً في رزيئتهم ببعض المصائب التي أخذتهم بها الحوادث في الأعصر الأخيرة ، ورجاؤنا في الراسخين من علماء العصر ، أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة الشريفة من بعض ما طرأ عليها من لواحق البِدع ، ويذكّروا العامّة بسنن السلف الصالح وما كانوا يعملون ، وينشروا بينهم ما أثبتته ائمّتنا - رضي اللَّه عنهم - كالشيخ الغزالي وأمثاله : من أنّ التوكّل والركون إلى القضاء إنما طلبه الشرع منّا في العمل ، لا في البطالة والكسل ، وما أمرنا اللَّه أن نهمل فروضنا ، وننبذ ما أوجب علينا ، بحجّة التوكّل عليه ، فتلك حجّة المارقين عن الدين ، الحائدين عن الصراط المستقيم ، ولا يرتاب أحد من أهل الدين الإسلامي في أنّ الدفاع عن الملّة في هذه الأوقات صار من الفروض العينيّة على كلّ مؤمن مكلّف ، وليس بين المسلمين وبين الالتفات إلى عقائدهم الحقّة التي تجمع كلمتهم ، وتردّ إليهم عزيمتهم ، وتُنهِض غيرتهم لاسترداد شأنهم الأوّل ، إلّا دعوةُ خيرٍ من علمائهم ، وأنّ جميع ذلك موكول إلى ذمّتهم . أمّا زعموه في المسلمين من الانحطاط والتأخّر ، فليس منشؤه هذه العقيدة ، ولا غيرها من العقائد الاسلامية ، ونسبته إليها كنسبة النقيض إلى نقيضه ، بل أشبه ما يكون بنسبه الحرارة إلى الثلج والبرودة إلى النار . نعم حدث للمسلمين بعد نشأتهم نشوة من الظفر ، وثمل من العزّ والغلب ، وفاجأهم - وهم على تلك الحال - صدمتان قويّتان : صدمة من طرف الشرق ، وهي غارة التتر من جنكيز خان وأحفاده ، وصدمة من جهة الغرب ، وهي زحف الأمم الأوروبيّة بأسرها على ديارهم ، وأنّ الصدمة في حال النَّشوة تذهب بالرأي ، وتوجب الدهشة والسبات بحكم الطبيعة ، وبعد ذلك تداولتهم حكومات متنوّعة ، ووُسِّد الأمر فيهم إلى غير أهله ، ووُلّي على أُمورهم من لا يُحسن سياستها ، فكان حكّامهم وأمراؤهم من جراثيم الفساد في أخلاقهم وطباعهم ، وكانوا مجلبة لشقائهم وبلائهم ، فتمكّن الضعف من نفوسهم ، وقصرت أنظار الكثير منهم على ملاحظة الجزئيات التي لا
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 88
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٨