تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وامتدت سلطتهم من جبال بيريني الفاصلة بين أسبانيا وفرنسا إلى جدار الصين ، مع قلّة عدّتهم وعددهم ، وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة ، وطبائع الأقطار المتنوّعة ، أرغموا الملوك ، وأذلّوا القياصرة والأكاسرة ، في مدّة لا تتجاوز ثمانين سنة ؛ إنّ هذا لَيُعدّ من خوارق العادات وعظائم المعجزات . دمّروا بلاداً ، ودكدكوا أطواداً ، ورفعوا فوق الأرض أرضاً ثانية من القسطل ، وطبقة أُخرى من النقع ، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم ، وأقاموا بدلها جبالًا وتلالًا من رؤوس النابذين لسلطانهم ، وأرجفوا كلّ قلب ، وأرعدوا كلّ فريصة ، وما كان قائدهم وسائقهم إلى جميع هذا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر . هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يغصّ بها الفضاء ، ويضيق بها بسيط الغبراء ، فكشفوهم عن مواقعهم ، وردّوهم على أعقابهم . بهذا الاعتقاد لمعت سيوفهم بالمشرق ، وانقضّت شُهبها على الحيارى في هبوات الحروب من أهل المغرب ، وهو الذي حملهم على بذل أموالهم وجميع ما يملكون من رزق في سبيل إعلاء كلمتهم ، لا يخشون فقراً ، ولا يخافون فاقة . هذا الاعتقاد هو الذي سهّل عليهم حمل أولادهم ونسائهم - ومن يكون في حجورهم - إلى ساحات القتال في أقصى بلاد العالم ، كأنّما يسيرون إلى الحدائق والرياض ، وكأنّهم أخذوا لأنفسهم - بالتوكّل على اللَّه - أماناً من كلّ غادرة ، وأحاطوها من الاعتماد عليه بحصن يصونهم من كلّ طارقة ، وكان نساؤهم وأولادهم يتولَّون سقاية جيوشهم ، وخدمتها فيما تحتاج إليه ، لا يفترق النساء والأولاد عن الرجال والكهول إلّا بحمل السلاح ، ولا تأخذ النساء رهبة ، ولا تغشى الأولاد مهابة ، هذا الاعتقاد هو الذي ارتفع بهم إلى حدّ كان ذكر اسمهم يُذيب القلوب ، ويبدّد أفلاذ الأكباد ، حتى كانوا يُنصَرون بالرُّعب ، يقذف به في قلوب أعدائهم فينهزمون بجيش الرهبة ، قبل أن يشيموا بروق سيوفهم ولمعان أسنتهم ، بل قبل أن تصل إلى تخومهم أطراف جحافلهم . بكائي على السالفين ، ونحيبي على السابقين ، أين أنتم يا عصبة الرحمة وأولياء