إلى كلّ فلاح ، وأنّ هذا النوع من الاختيار هو مورد التكليف الشرعي ، وبه تتمّ الحكمة والعدل . نعم كان بين المسلمين طائفة - تسمّى بالجبريّة - ذهبت إلى أنّ الإنسان مضطرّ في جميع أفعاله اضطراراً لا يشوبه اختيار ، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرّك الشخص فكّه للأكل والمضغ ، وبين أن يتحرّك بقفقفة [ 1 ] البرد عند شدّته ، ومذهب هذه الطائفة يعدّه المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة ، وقد انقرض أرباب هذا المذهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة ، ولم يبقَ لهم أثر ، وليس الاعتقاد بالقضاء والقدر هو عين الاعتقاد بالجبر ، ولا من مقتضيات ذلك الاعتقاد ماظنّه أولئك الواهمون . الاعتقاد بالقضاء يؤيّده الدليل القاطع ، بل ترشد إليه الفطرة ، وسهل على من له فكر أن يلتفت إلى أنّ كلّ حادث له سبب يقاربه في الزمان ، وأنه لا يرى من سلسلة الأسباب إلّا ما هو حاضر لديه ، ولا يعلم ماضيها إلّامبدع نظامها ، وأنّ لكلٍّ منها مدخلًا ظاهراً فيما بعده بتقدير العزيز العليم ، وإرادة الإنسان إنّما هي حلقة من حلقات تلك السلسلة ، وليس الإرادة إلّاأثراً من آثار الإدراك ، والادراك انفعال النفس بما يعرض على الحواسّ ، وشعورها بما أُودع في الفطرة من الحاجات ، فلظواهر الكون من السلطة على الفكر والإرادة مالا ينكره أبله ، فضلًا عن عاقل ، وأنّ مبدأ هذه الأسباب - التي تُرى في الظاهر مؤثّرة - إنّما هو بيد مدبّر الكون الأعظم الذي أبدع الأشياء على وفق حكمته ، وجعل كلّ حادث تابعاً لشبهه كأنه جزاء له ، خصوصاً في العالم الإنساني . ولو فرضنا أنّ جاهلًا ضلّ عن الاعتراف بوجود إله صانع للعالم ، فليس في إمكانه أن يتملّص من الاعتراف بتأثير الفواعل الطبيعية والحوادث الدهريّة في الإرادات البشريّة ، فهل يستطيع إنسان أن يخرج بنفسه عن هذه السُّنّة التي سنّها اللَّه في خلقه ؟ هذا أمر يعترف به طلّاب الحقائق ، فضلًا عن الواصلين ، وإنّ بعضاً من حكماء الإفرنج وعلماء سياستهم التجأوا إلى الخضوع لسلطة القضاء ، وأطالوا البيان في إثباتها ، ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد بآرائهم .
هامش
[ 1 ] اضطراب الحنكين واصطكاك الأسنان من البرد . تاج العروس 6 : 226 مادّة « قفّ » .