إن للتاريخ علماً فوق الرواية ، عُني بالبحث فيه العلماء من كلّ أُمة ، وهو العلم الباحث عن سير الأُمم في صعودها وهبوطها ، وطبائع الحوادث العظيمة وخواصّها ، وما ينشأ عنها من التغيير والتبديل في العادات والأخلاق والأفكار ، بل في خصائص الإحساس الباطن والوجدان ، وما يتبع ذلك كلّه من نشأة الأُمم ، وتكوُّن الدول ، أو فناء بعضها واندراس أثره . هذا الفنّ - الذي عدّوه من أجلّ الفنون الأدبيّة وأجزلها فائدة - بناء البحث فيه على الاعتقاد بالقضاء والقدر ، والإذعان بأنّ قوى البشر في قبضة مدبّر للكائنات ، ومصرّف للحادثات ، ولو استقلّت قدرة البشر بالتأثير ما انحطّ رفيع ، ولا ضعف قويّ ، ولا انهدم مجد ، ولا تقوّض سلطان . الاعتقاد بالقضاء والقدر إذا تجرّد عن شناعة الجبر ، يتبعه صفة الجراءة والإقدام ، وخُلُق الشجاعة والبسالة ، وبعث على اقتحام المهالك التي توجف لها قلوب الأسود ، وتنشقّ منها مرائر النمور ، هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات ، واحتمال المكاره ، ومقارعة الأهوال ، ويحلّيها بحُلِيّ الجود والسخاء ، ويدعوها إلى الخروج من كلّ ما يعزّ عليها ، بل يحملها على بذل الأرواح ، والتخلّي عن نضرة الحياة ، كلّ هذا في سبيل الحقّ الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة . الذي يعتقد بأنّ الأجل محدود ، والرزق مكفول ، والأشياء بيد اللَّه يصرفها كما يشاء ، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقّه وإعلاء كلمة أُمته أو ملّته ، والقيام بما فرض اللَّه عليه من ذلك ؟ ! وكيف يخشى الفقر مما ينفق من ماله في تعزيز الحقّ وتشييد المجد ، على حسب الأوامر الإلهيّة ، وأُصول الاجتماعات البشريّة ؟ ! امتدح اللَّه المسلمين بهذا الاعتقاد مع بيان فضيلته في قوله الحقّ : ( أَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخشَوْهُمْ فَزادَهُم إيماناً وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُوفَضْلٍ عَظيمٍ ) اندفع المسلمون في أوائل نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ويتسلّطون عليها ، فأدهشوا العقول وحيّروا الألباب بما دوّخوا الدول وقهروا الأُمم ،
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 85
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٥