تتجاوز لذّته الآنية ، وأخذ كلّ منهم بناصية الآخر ، يطلب له الضرر ويلتمس له السوء من كلّ باب ، لا لعلّة صحيحة ولا داعٍ قويٍّ ، وجعلوا هذا ثمرة الحياة ، فمال الأمر بهم إلى الضعف والقنوط ، وأدّى إلى ما صاروا إليه . ولكنّي أقول - وحقّ ما أقول - : إنّ هذه الملّة لن تموت ما دامت هذه العقائد الشريفة آخذة مأخذها من قلوبهم ، ورسومها تلوح في أذهانهم ، وحقائقها متداولة بين العلماء الراسخين منهم ، وكلّ ما عرض عليهم من الأمراض النفسية والاعتلال العقلي ، فلابدّ أن تدفعه قوّة العقائد الحقّة ، ويعود الأمر كما بدأ ، وينشطوا من عقالهم ، ويذهبوا مذاهب الحكمة والتبصّر في إنقاذ بلادهم ، وإرهاب الأُمم الطامعة فيهم ، وإيقافها عند حدّها ، وما ذلك ببعيد ، والحوادث التاريخية تؤيّده فانظر إلى العثمانيين الذين نهضوا بعد تلك الصدمات القويّة - حروب التتر والحروب الصليبية - وساقوا الجيوش إلى أرجاء العالم ، واتّسعت لهم ميادين الفتوحات ، ودوّخوا البلاد ، وأرغموا أُنوف الملوك ، ودانت لسلطانهم الدول الافرنجيّة ، حتى كان السلطان العثماني يلقّب بين الدول بالسلطان الأكبر . ثمّ أرجع البصر تجد هزّة في نفوسهم وحركة في طباعهم ، أحدثها فيهم ما توعّدتهم به الحوادث الأخيرة من رداءة العاقبة وسوء المنقلب ، حركة سرت في أفكار ذوي البصيرة منهم في أغلب الأنحاء شرقاً وغرباً ، وتألّفت من خيارهم عصبات للحقّ كتبت على نفسها نصرة العدل والشرع ، والسعي بغاية الجهد لبثّ أفكارها ، وجمع الكلمة المتفرّقة ، وضمّ الأشتات المتبدّدة ، وجعلوا من أصغر أعمالهم نشر جريدة عربيّة ؛ لتصل بما يكتب فيها بين المتباعدين منهم ، وتنقل إليهم بعض ما يضمره الأجانب لهم ، وإنا نرى عدد الجمعيّة الصالحة يزداد يوماً بعد يوم ، نسأل اللَّه تعالى نجاح أعمالها ، وتأييد مقصدها الحقّ ، ورجاؤنا من كرمه أن يترتّب على حسن سعيها أثر مفيد للشرقيّين عموماً ، وللمسلمين خصوصاً .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 89
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٨٩