تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
الإسلاميّة الحقّة ، كثر فيها لَغط المغفّلين من الإفرنج وظنّوا بها الظنون ، وزعموا أنّها ما تمكّنت من نفوس قوم إلّا وسلبتهم الهمّة والقوّة ، وحكّمت فيهم الضعف والضعة . ورموا المسلمين بصفات ، ونسبوا إليهم أطواراً ، ثمّ حصروا علّتها في الاعتقاد بالقدر ، فقالوا : إنّ المسلمين في فقر وفاقة وتأخّر في القوّة الحربيّة والسياسيّة عن سائر الأُمم ، وقد فشا فيهم فساد الأخلاق ، فكثر الكذب والنفاق والخيانة والتحاقد والتباغض ، وتفرّقت كلمتهم ، وجهلوا أحوالهم الحاضرة والمستقبلة ، وغفلوا عمّا يضرّهم وما ينفعهم ، وقنعوا بحياة يأكلون فيها ويشربون وينامون ، ثم لا ينافسون غيرهم في فضيلة ، ولكن متى أمكن لأحدهم أن يضرّ أخاه لا يقصّر في إلحاق الضرر به ، فجعلوا بأسهم بينهم والأُمم من ورائهم تبتلعهم لقمة بعد أُخرى ، رضوا بكلّ عارض ، واستعدّوا لقبول كلّ حادث ، وركنوا إلى السكون في كسور بيوتهم ، يسرحون في مرعاهم ، ثمّ يعودون إلى مأواهم ، الأمراء فيهم يقطعون أزمنتهم في اللهو واللعب ومعاطاة الشهوات ، وعليهم فروض وواجبات تستغرق في أدائها أعمارهم ولا يؤدّون منها شيئاً . يصرفون أموالهم فيما يقطعون به زمانهم إسرافاً وتبذيراً ، نفقاتهم واسعة ، ولكن لا يدخل في حسابها شيء يعود على ملّتهم بالمنفعة ، يتخازلون [ 1 ] ويتنافرون ، وينوطون المصالح العموميّة بمصالحهم الخصوصيّة ، فربّ تنافر بين أميرين يضيّع أُمة كاملة ؛ كلّ منهما يخذل صاحبه ، ويستعدي عليه جاره ، فيجد الأجنبي فيهما قوّة فانية وضعفاً قاتلًا ، فينال من بلادهما مالا يكلّفه عدداً ولا عُدّة ، شملهم الخوف وعمّهم الجبن والخَوَر ، يفزعون من الهمس ، ويألمون من اللمس ، قعدوا عن الحركة إلى ما يلحقون به الأُمم في العزّة والشوكة ، وخالفوا في ذلك أوامر دينهم ، مع رؤيتهم لجيرانهم - بل الذين تحت سلطتهم - يتقدّمون عليهم ، ويباهونهم بما يكسبون ، وإذا أصاب قوماً من إخوانهم مصيبة ، أو عدت عليهم عادية ، لا يسعون في تخفيف مصابهم ، ولا ينبعثون لمناصرتهم ، ولا توجد فيهم جمعيّات ملّية كبيرة لا جهريّة ولا سرّيّة ، يكون من
هامش
[ 1 ] يتقاطعون ويعوّق بعضهم بعضاً .